أثار اعتقال عضو من حزب " العدالة والتنمية " بعد ارتكابه لحادثة سير، وهو في حالة سكر طافح، بحسب روايات إعلامية متطابقة، جدلا كبيرا بين فريقين داخل أوساط مغربية؛ ففي وقت رفض فيه الفريق الأول نشر مثل هذه الأخبار بحجة تفاهتها وارتباطها بأجندات انتخابية، رأى فريق آخر في الخبر فضيحة لحزب " البجيدي" بسبب ما اعتبره ازدواجية في الخطاب لدى قادة وأعضاء هذا الحزب.

مهنيا، الصحافي الذي جاء بالخبر لم يُجانب الصواب، مادامت عناصر نشر الخبر متوفرة وأهمها؛ عنصر " الغرابة"، الذي يعد من العناصر الأساسية في نشر خبر ما، وهنا نستحضر مثالا شهيرا يدرس لكل راغب في تعلم الصحافة؛ يفيد أنه حين نقول " كلب عض عمر" فهذا ليس بخبر، لكن حين نقول "عمر عض كلبا" فهذا خبر، مادام غريبا أن يعض انسان حيوان وليس العكس.

فحين يُعتقل مسؤول جماعي ينهل من مرجعية ليبرالية أو يسارية.. وهو في حالة سكر قد لا يكون الخبر مهما بالنسبة للرأي العام، لأنه ليس غريبا أن بعض اليساريين وبعض الليبراليين يحتسون الخمر، لكن حين يتعلق الأمر باعتقال شخص محسوب على تيار إسلامي تصبح للخبر أهمية قصوى لدى الرأي العام مادامت المرجعية الإسلامية تحرم شرب الخمر في إطار النص الديني: " كل مسكر حرام" وإن كانت قراءات تنفي أن يكون الخمر محرما في الإسلام وأن حكمه الاجتناب فقط انطلاقا مما ورد في سورة المائدة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

وأن يكون هناك خصوم سياسيون قد استفادوا من نشر الخبر هذا لا ذنب فيه للصحافي، ربما ذنب الأخير إذا لم يقم بالأدوار الأخرى المنوطة بعمله؛ خاصة بدور التنوير، وفي هذه القضية وجب على الصحافي أن يبين للرأي العام ما يلي:

أولا، العضو المعتقل لا علاقة أخلاقية وفكرية تربطه بمرجعية حزب "العدالة والتنمية"، وكل ما يربطه بهذا الحزب هي علاقة تنظيمية، فالعقل يمكن أن يقبل إسلامي يبيع الخمر، تحت ضغط إكراهات ما، لكن يستحيل على من تربى في حلقات الإسلاميين وترعرع داخل هياكلكم أن يشرب الخمر، فبالأحرى أن يكون رئيس جماعة أو برلماني أو وزير وهو يعلم أن الإنتخابات على الأبواب.

ثانيا، عليه أن يوضح للجمهور الخطأ الفادح الذي سقط فيه حزب "العدالة والتنمية" بتزكيته لشخص لا علاقة اخلاقية وفكرية تربطه به كما فعل حين زكى صاحب فندق "فيلا ماروك" بمدينة الصويرة، الذي يبيع الخمور، كوكيل للائحة حزبه للانتخابات الجماعية، التي جرت يوم 04 شتنبر الماضي.

هذا المشكل لا يعاني منها حزب "العدالة والتنمية" فقط بل تعاني منها جميع الأحزاب، باسثتناء "الحزب الإشتراكي الموحد" و"حزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي"، اللذين يدققان في سيرة المرشح، أما باقي الأحزاب، المشاركة في الإنتخابات، لا يعنيها علاقة المرشح الفكرية والأخلاقية بها، بقدر ما يعنيها أن يضيف لها مقعد إلى سجلها للقيادة الحكومة أو العمادات والمجالس القروية.

مشكلة الأحزاب المغربية، وحتى النظام الحاكم، أن لاأحد منهم يملك برنامجا مجتمعيا واضحا بكل تفاصيله، حول كيفية إصلاح التعليم، وكيفية توفير فرص الشغل، وكيفية إصلاح أوضاع الفلاحين والحرفيين والموظفين، وإصلاح أوضاع النساء والأطفال والمشردين، اسألوا أي سياسي قريب منكم عن تفاصيل برنامجه الانتخابي، طالبوه بخطته المفصلة وليس شعارات سياسية، لتحقيق العدالة الإجتماعية والوسائل التي سيعتمد عليها لتحقيق ذلك، وسترون كيف سيُهرب النقاش.

وطبعا، حين تغيب هذه البرامج تصبح الأبواب مشرعة لكل من هب ودب، كما حصل مع عضوي "العدالة والتنمية"، وتغدو الشعارات السياسية بديلا، والهجوم على الأشخاص سبيلا لإخفاء الضعف والفراغ البرنامجي؛ لهذا نقول مع كامل الأسف الأزمة ستطول أيها المغاربة.