اتصل بي العزيز والمحترم عبد الحميد جماهري، عضو المكتب السياسي لحزب "الإتحاد الإشتراكي" ومدير تحرير جريدة الحزب على خلفية افتتاحية الموقع الأخيرة التي جاءت تحت عنوان : "أيها التجار بنبركة لا يحتاج إلى تكريمكم"، موضحا أن  عبارة "تجار" كانت قاسية، نافيا أي صبغة سياسية على حفل اليوسفي، مؤكدا على أن اللقاء كان "لحظة وفاء فيها إجماع"، خاصة مع الرسالة الملكية وما سبقها من احتفالات تهم نفس القضية، وبأنها "فرصة غالية جمعت أزكى المناضلين"، الأمر الذي جعل افتتاحية "بديل" خارج السياق بحسبه؛

ولكوني اعتبر، دائما، موضوع بنبركة، قضية شائكة ومهمة في السجال العمومي من أجل الإنتقال نحو الديمقراطية، وبحكم تقديري للزميل جماهري، ومبادرة اتصاله بي، وهي المبادرة التي أحييه عليها، وتعكس أصالته الإتحادية وكرم أخلاقه، فإني أود توضيح مايلي:

أولا ـ  والحق يُقال ـ  كان حديث الزميل جماهري، معي في منتهى الكياسة واللباقة، ولم يستعمل ضدي أي نوع من الضغط، مشددا على أن رأيي يحترم وإن اختلف معه، متوسلا في حديثه ألطف الكلمات الإنسانية، لدرجة جعلتني، مع عاطفته الإتحادية الجياشة، وأمام حرارة كلماته الطيبة، ألوذ بالصمت، ولا أدافع عن قناعاتي الفكرية والعقلية الخاصة بالموضوع، رغم أني لا زلت أومن بهذه القناعات لحد اليوم؛

ثانيا، موقفي من اليوسفي ثابت لا يتغير ما لم يتقدم بنقد ذاتي للشعب المغربي و لأسرة المهدي، لكونه، وأقولها بالدارجة حتى تصل الرسالة جيدا : " اليوسفي ما دار والو" أقول "مادار والو والو" في ملف المهدي بنبركة، حين كان رئيسا للحكومة، فكيف يستفيق اليوم، وهو في آخر العمر، وبلا صفة سياسية أو رسمية، ويحاول إقناعنا بأن المبادرة بريئة وغير مسنودة بأي خلفية سياسية؟

ثالثا، لا يمكن القول بأن حفل اليوسفي تحقق فيه الإجماع، حتى ولو كانت هناك رسالة ملكية، أين هو اليسار الجذري في الحفل، أليس بنبركة صاحب أطروحة "الإختيار الثوري"؟ ثم أين هي القيادة الحالية "للإتحاد الإشتراكي" داخل الحفل؟ لماذا أعطيت الكلمة لخصومها أمثال محمد الأشعري ولم تعط كلمة للشكر أو الحبيب المالكي أو أي قيادي آخر داخل الحزب ولو رمزيا؟ هل كان بنبركة حقودا لدرجة يقصي فيها قادة اتحاديين من حضور حفل اتحادي، بصرف النظر عن أي مؤاخذة يمكن أن تُآخذ بها هذه القيادة على ما آل إليه الوضع التنظيمي والسياسي للحزب؟

ثالثا، عندما نتحدث عن تجار لا نعني بذلك البيع والشراء، المعروف في قانون التجارة أو الإتجار، بل نعني وجود "تمويه"، فكلمة نتاجر، معناها أننا نبيع ونشتري في قضية خاضعة لمنطق الربح والخسارة دون نيتنا النضالية كوننا نناضل فيها، فقد حكى لي رئيس مقاطعة سابق في الرباط عن واقعة طريفة تدين بعضا ممن وصفناهم بـ"التجار". تفيد تفاصيل الواقعة أن رئيس المقاطعة استدعى الزميل "عبد اللطيف جبرو" بصفته "ذاكرة المهدي بنبركة" لإلقاء عرض حول قضية المهدي، قبل أن يستدعي "فتح الله والعلو"،  بصفته عمدة الرباط وادريس لشكر وعدد من القيادات الإتحادية التي ساهمت في تنظيم حفل "المكتبة الوطنية". ولكم أن تتصوروا الفضيحة، حضر الزميل "جبرو" وكل مستشاري المقاطعة باسثتناء المستشارين الإتحاديين، ولشكر وفتح الله والعلو الذي كان يلبي جميع دعوات الرئيس الخاصة بتنظيم أنشطة داخل المقاطعة حتى ولو تعلق الأمر بحفل ختان أو نقاش حول البيئة! لكن حين تعلق الأمر بالمهدي لم يجرؤوا على الحضور مخافة أن ينزعج ولي نعمتهم "المخزن"!

ثم ماذا يعني أن نتذكر بنبركة فقط حين نكون في المعارضة، لكن حين نتولى تدبير الشأن العام نغرس رؤوسنا في الرمل، أليس هذا نوع من المتاجرة بالقضية؟ لماذا كلما اصطدم الإتحاديون بالقصر تاريخيا أو فكروا في دخول حكومة ما عادوا لجثة بنبركة تحت قول الشاعر محمود درويش: "كان لنا وكان منا".

القصر يُدرك منذ ستينيات القرن الماضي أن ملف بنبركة، يعتبر واحدا من أقدس الملفات الحقوقية لدى المغاربة، وكانت أنسب لحظة بالنسبة إليه (القصر) لقراءة مثل هذه الرسالة الأخيرة هي بداية ما سمي بـ"العهد الجديد"، بحكم فائض الشرعية الحقوقية التي كان يتمتع بها (القصر) في تلك اللحظة، بفضل إطلاقه لدينامية مشروع "الإنصاف والمصالحة"، ورفع "الإقامة الجبرية" عن زعيم "العدل والإحسان" عبد السلام ياسين، وعودة المنفيين أمثال الفقيه البصري و"ابراهام السرفاتي" وإفراجه عن المعتقلين السياسيين وإدخال المعارضة التاريخية للحكومة، وفتح ملفات شائكة مثل الأمازيغية والإعتقال السياسي والمسألة الدينية وحقوق المرأة، لكن كبرياء القصر وخوفه من تعاظم شرعية الإتحاديين، حالا دوما دون مبادرة على الأقل بقدر الرسالة الملكية الأخيرة.

واليوم، وبعد أن فقد الإتحاد "مخالبه" وبات ألطف من "خروف" في "سوق السياسة"، نتيجة "صفقة" وحده الله واليوسفي والحسن الثاني يعلمون تفاصيلها، وبعد أن اقتنع القصر أن صمته لم يعد مقبولا حول واحدة من أقدس الجثث عند المغاربة، كان ضروريا أن يردد مثل الآخرين عن بنبركة "كان لنا وكان منا"، وطبعا ليس هناك غطاء سياسي أرحب يليق بمقام رسالة ملكية في الموضوع سوى تنظيم حفل من طرف شخصية يروج وسط المغاربة أنها شخصية وطنية كبيرة.

وإذا لم تجيبوا عن الأسئلة التالية: من تكلف باللوجستيك؟ هل دُبر الحفل من مالية اليوسفي أم من مالية جهة اخرى؟ من تكلف بالإتصال بكل تلك الشخصيات؟ هل يملك اليوسفي وهو في آخر العمر "ذاكرة هواتف" بكل هذه السعة والقوة؟ ثم لماذا لم تحضر أسرة المهدي؟ وأما السؤال الذي سيظل دوما مشروعا وهو الأهم من كل ماسبق، هو لماذا لم يحتفل اليوسفي ببنبركة ولا حلحل الملف حين كان رئيسا للحكومة، ولا حلحله عندما كان حزبه يترأس وزارة العدل لولايتين؟ فنقولها لكم: مع احترامنا للجميع..إنه حفل تحت الطلب !