لا يعرف كثير من الناس أن عبارة "الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة" هي في الأصل ـ قبل أن تدخل إلى الخطاب الرسمي ـ شعار للحركة الأمازيغية كان يحتل فضاءات القاعات ويُكتب على اللافتات ويوضع في البيانات التي تصدرها الحركة، وكانت الحركة تقصد به أن النهوض بالأمازيغية ليس شأن الحركة لوحدها، أولا لأنها حركة مدنية لا تملك الإمكانيات الكافية لأجرأة عملية النهوض تلك، ثانيا لأنها ليست تنظيمات سياسية تسعى إلى تولي السلطة لإقرار سياسات بديلة، ثالثا لأن الحركة لا تمثل الأمازيغ، ولا تنوب عن باقي المغاربة في خدمة ثقافتهم الوطنية وتدبير إرثهم المشترك، وإنما تساهم بأسلوب اللوبي المدني الضاغط في إنجاح الانتقال السلمي نحو الديمقراطية ودولة القانون عبر الدمقرطة الثقافية واللغوية والقيمية.

وفي سنة 2001، التي شكلت منعطفا تاريخيا في سياسة الدولة تجاه التنوع الثقافي واللغوي الوطني، أصبحت عبارة "الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة" شعارا رسميا لبرنامج مأسسة الأمازيغية وإدراجها في مجالات التعليم والإعلام والشأن المحلي والجهوي، وكان المقصود رسميا بهذا الشعار أن الأمازيغية ليست ثقافة عرق خالص، أو لونا سياسيا بعينه، كما ليست شأن حركة جمعوية معينة أو مناضلين من تيار معين، بل هي شأن الدولة جميعها أرضا وشعبا وأجهزة حكم وتدبير، وهو تعميم لا يخلو من مطبات ومخاطر، حيث في ظل وضع لم يستكمل بعدُ عناصر البناء الديمقراطي، وبعد خمسين سنة من التعريب والفرنسة، وفي إطار مفهوم مختل للوطنية المغربية، يمكن لشأن معمّم على هذا النحو أن يؤدي إلى عكس المطلوب تماما، أي إلى الكثير من الخلط، بل وإلى تكريس الميز والاحتقار رسميا على أنه "إجماع وطني" أو "قرار الأغلبية"، ولهذا لم تنظر جميع مكونات الحركة الأمازيغة باطمئنان إلى هذا الأمر، بقدر ما تعاملت معه بحذر، رغم أن الشعار في الأصل يعود إليها.

بعد سنوات من المأسسة المرتبكة والمعاقة تُوجت بترسيم اللغة الأمازيغية في دستور 2011، أصبح تفعيل الترسيم بقانون تنظيمي هو مدار الرحى وقطب الاهتمام في النقاش العمومي، كما استقطب المجلس الوطني للغات الذي ينصّ عليه الدستور اهتمام الفاعلين المهتمين بقضايا التنوع اللغوي والثقافي الوطني، في هذا السياق بدأ يظهر مفهوم جديد للشعار المذكور آنفا، شعار "الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة"، حيث اعتقد بعض أعضاء النخبة الحزبية والتيارات القومية والإسلامية التي كانت في الأصل تعترض على تعليم الأمازيغية ثم على ترسيمها في الدستور، اعتقدوا أن هذا الشعار يُخول لهم إمكانية الإفتاء في الأمازيغية بما يفيد عرقلة النهوض بها وتحجيمها في أفق إقبارها النهائي، فما دامت الأمازيغية مسؤولية للجميع وملك للجميع فمن حق الجميع الإدلاء بآرائهم وفتاواهم فيها، والتي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار.

في هذا السياق نعتقد أنه من اللازم تدقيق معنى الشعار المذكور، حتى لا يستمر إخواننا هؤلاء في إضاعة وقتهم الثمين في معارك خاسرة، وهي جملة عناصر للتذكير نعتقد أنها مفيدة في فهم السياق الذي نعمل فيه من أجل استكمال عوامل الانتقال نحو الديمقراطية ودولة القانون والمواطنة:

ـ أن السياق الذي نعمل فيه والروح التي تطبع المرحلة بكاملها هي روح المصالحة مع الذات، ما يفسر الاعتراف بكل المكونات في الدستور المغربي، والسعي إلى إنهاء الميز بجميع أنواعه. بهذا المعنى تعني المصالحة عدم العود إلى اقتراف نفس الأخطاء السابقة.

ـ أن الأمر عند الحديث عن الأمازيغية إنما يتعلق بلغة رسمية، أي لغة البلاد والدولة بمقتضى القانون الأسمى وليست لغة عادية. وكل حديث عنها لا يأخذ بعين الاعتبار وضعها القانوني لا يستحق أي اهتمام، لأنه من قبيل النكوص والعودة إلى الماضي المعيب.

ـ أنّ الأمازيغية صارت من بين التزامات الدولة في سياساتها العليا، وليست مرتبطة بتيار حزبي أو إيديولوجي دون آخر، ما يجعل منها ورشا وطنيا ينبغي تدبيره بعقلانية وبوعي ديمقراطي.

بناء على هذه المنطلقات فالمقصود بالشعار إذن هو أن الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة الذين يريدون لها الحياة والاستمرار والخروج من الميز، أي أولائك المنخرطون في بناء المستقبل، والساعون إلى ترسيخ الديمقراطية والمواطنة بقيمهما الكونية المتعارف عليها، وليس الذين يحلمون باستعادة امتيازات قائمة على احتقار الآخرين وتهميشهم.

هذه هي الروح التي ينبغي أن يوضع بها القانونان التنظيميان المنتظران، قانون المجلس الوطني للغات، والقانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.