يتصاعد الخلاف بين المملكة العربية السعودية وايران على ارضية كارثة التدافع في مشعر منى الذي ادى الى مقتل حوالي 770 حاجا، حسب الاحصاءات الرسمية السعودية، واصابة ما يقرب الالف، ومن الواضح ان السلطات الايرانية تستغل هذه الكارثة بطريقة اعلامية مكثفة لاحراج نظيرتها السعودية، وتأليب العالم الاسلامي ضدها، في اطار الحرب المباشرة، او غير المباشر، عسكريا، واعلاميا، وسياسيا بين الطرفين.

المسؤولون السعوديون يقللون كثيرا من تصريحاتهم التي تتناول هذه المأساة، ويتجنبون الرد على الاتهامات الايرانية، ويكتفون بالقول انهم قرروا تشكيل لجنة تحقيق، ولكن حتى هذه اللحظة، لم يتم اعلان اسماء اعضاء هذه اللجنة ورئيسها، ومن المتوقع ان يكون احد امراء الاسرة الحاكمة.

ما ينقص السلطات السعودية في تعاطيها مع هذه الكارثة هو غياب “الشفافية”، الامر الذي فتح الباب على مصراعيه امام الكثير من التكهنات والاجتهادات، ليس من جانب الايرانيين، وانما اطراف اسلامية اخرى.

اليوم الثلاثاء اتهمت اندونيسيا السلطات السعودية بعرقلة جهود دبلوماسييها للتوصل الى معلومات بشأن الضحايا والمصابين، وقال السيد لالو محمد اقبال المسؤول في وزارة الخارجية الاندونيسية ان المسؤولين السعوديين لم يقدموا معلومات لنظرائهم الاندونيسيين حول الضحايا حتى مساء الاثنين، كما ذكر السيد لقمان حكيم سيف الدين ان السلطات السعودية لم تسمح للحجاج الاندونيسيين بالتوجه الى المستشفيات للعثور على ذويهم المصابين.

وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواريج قالت في تغريدة لها الثلاثاء “ان المسؤولين السعوديين نشروا صور جثامين 1090 حاجا، اي اكبر من الرقم الرسمي (769 قتيلا)، بينما اعرب سعيد اوحدي رئيس مؤسسة الحج الايرانية عن اعتقاده بأن عدد الضحايا يصل الى اكثر من اربعة آلاف قتيل على الاقل، وانه لا تزال هناك ثلاثة آلاف جثة داخل 21 شاحنة بانتظار تشخيصها واخلائها.
واذا صحت اقوال مسؤول الحج الايراني هذه، فان هذا يفسر وجود قائمة طويلة بالمفقودين، ومن بينهم 250 حاجا ايرانيا، و63 باكستانيا، ولم تعلن دول اسلامية قوائمها بعد.

كارثة الحج هذه ربما تكون الاضخم من نوعها، سواء من حيث اعداد ضحاياها، او الاضرار التي الحقتها بصورة المملكة العربية السعودية، والمسؤولين فيها عن ادارة موسم الحج، فمن الواضح، ومن خلال الارتباك والاهمال الذي ظهرا بوضوح طوال الايام القليلة الماضية، ان هؤلاء يفتقدون الى الكفاءة، مثلما يفتقدون الى الجدية، والاحساس بالمسؤولية، والحرص على سمعة بلادهم ومكانتها.

نستغرب عدم تقديم وزير الحج والاوقاف السعودي استقالته، او حتى اقالته من منصبه، مثلما يحدث في الدول المتقدمة والمتخلفة في آن، مثلما نستغرب ايضا عدم اقالة او استقالة مسؤولي الامن والدفاع المدني المناط بهم الاشراف على تنظيم حركة الحجاج، وتوفير كل اجراءات السلامة لهم، تمهيدا لتقديمهم الى القضاء لمحاكمتهم بتهمة الاهمال والقتل غير المتعمد لمئات الحجاج.

السلطات السعودية تواجه امتحانا عسيرا هذه الايام، واسئلة سياسية وقانونية وتقنية عديدة، مطالبة بالرد عليها بكل صراحة وشفافية، ومعظم المؤشرات تؤكد انها قد تتصرف بالطريقة نفسها التي تصرفت فيها تجاه الكوارث السابقة في مواسم الحج، اي محاولة امتصاص حدة الغضب، وكسب المزيد من الوقت، وبما يؤدي الى تخفيف الاحتقان، والنسيان بعد ذلك.

لا تعتقد ان هذا الاسلوب يمكن ان ينجح هذه المرة في ظل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة انتقال المعلومة وتوثيقها على اليوتيوب والفيسبوك، مضافا الى ذلك، ان ظروف المملكة اختلفت وكثر عدد اعدائها، وانخراطها في حروب مباشرة، وغير مباشرة، في اليمن وسورية والعراق وليبيا، مثما بدأت عضلاتها المالية في الانكماش بسبب انخفاض اسعار النفط.