فضيحة بكل المقاييس تلك التي خرجت يوم الأربعاء الماضي من وزارة التربية الوطنية التي توجد على رأسها شخصية لا لون حزبي ولا سياسي لها، كادت أن تهدد استقرار وأمن البلد لولا الألطاف الإلهية، مما يعني أن من "تهاون" في هذا الأمر لا يقدر حقيقة حجم المسؤولية التي أنيطت به، تصوروا معي أن ذلك العدد الضخم من الشباب تلاميذ مستوى البكالوريا تابع احتجاجاته التي شاهدنا كيف انطلقت، وخرج إلى شوارع المدن، ماذا ستكون النتيجة ؟


أتذكر سنة 1999 ـ إن لم تخني ذاكرتي ـ وكنت حينها في المرحلة الثانوية خرجت الآلاف من أبناء أبرز ثانويات طنجة ـ ابن الخطيب، عباس السبتي، مولاي سليمان، علال الفاسي، أبو بكر الرازي..ـ احتجاجا على ضعف النقط التي كنا نتساءل عن سبب ضعفها في معظم الثانويات، واعتبرنا حينها ونحن في مرحلة العفوان أن الأمر" مدبر"، ولا بد من الاحتجاج، وكنت أيضا ضمن اللجنة المصغرة التي حاورت نائب وزارة التربية الوطنية، وشاهدت بأم عيني كيف استغلت عناصر كانت معروفة لدينا الحدث وعاثت في الممتلكات العامة والخاصة تكسيرا وفسادا، لذلك أعتبر أن من كان وراء هذه التسريبات فإنه يعبث بأمن البلد ولا يقدر حقيقة المسؤولية والعواقب.


هذا فضلا عن تأثير تلك التسريبات على أبنائنا، وعززت من احساسهم ب "الحكرة" وغياب العدل وتكافئ الفرص، وكيف أصبح هذا الشباب فاقدا للثقة ليس فقط في مؤسسات التربية والتعليم بل في كل مؤسسات الدولة ؟ ويمكن العودة لتصريحاتهم للصحافة الإلكترونية لنقف حقيقة عن الطريقة التي أصبح يفكر بها اليافع المغربي، فكيف سنطلب منه غدا أن يكون مواطنا صالحا ؟ وكيف سنقنعه بالمشاركة في الحياة العامة والسياسية ، وكيف سنناقشه بأهمية وزن صوته الانتخابي ؟ وسنتساءل في ما بعد عن أسباب ارتفاع نسبة المقاطعين للعملية الانتخابية؟ .


وبغض النظر عن من كان وراء هذه الفعلة ومراميها الحقيقية، فإن ما هو مطروح في هاته القضية وفي فضائح أخرى مشابهة، لمن نحمل المسؤولية السياسية ؟ وكيف سيعاقب المغاربة انتخابيا وديمقراطيا وزير التربية والتعليم ؟ فالرجل لا ينتمي لأي حزب سياسي، وإذا لم يعفيه الملك، فإنه بعد انتهاء مهمته سيذهب إلى بيته ليستريح وفي جيبه تقاعد جد مريح، ولتذهب مصلحة تلامذتنا إلى الجحيم، فبالأحرى أن يتم تقديمه للمحاكمة هو ومن يثبت تورطه، فالأمر جلل و"الجريمة" كبيرة، ولا أحد يقدم للمحاسبة .


وإذا كان صناع القرار يضعون ذلك العدد المبالغ فيه في أهم الوزارات عند تشكيل أي حكومة جديدة، فما جدوى الانتخاب ؟ ولماذا صرف كل تلك المبالغ على عملية انتخابية فاقدة للمعنى السياسي ؟ ولماذا نضع في الدستور فصل خاص بالمحاسبة والمساءلة إذا كنا لا نستطيع تحريكها ؟


وهو ما يجعلنا نتساءل مجددا عن جدوى تعيين فريق مهم من "التيقنوقراط" كوزراء، ونتساءل أكثر كيف قبل حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة هذا الشكل؟ خاصة وأن منهم في مواقع وزارية مهمة، وهي بدعة لم تعد مقبولة، وآن أوان القطع مع هذه "القاعدة" التي لم تعد تساير مستجدات الساحة ومستوى وعي الشعب المغربي.


وإذا أردنا أن نسائل السيد رئيس الحكومة، هل ستتحمل ياسيادة الرئيس وزر وزير تقنوقراطي؟ نجد الجواب يصرفه قادة الحزب عبر صفحاتهم الشخصية بالمواقع الاجتماعية، مفاده أن الوزير المشار إليه لا ينتمي لحزبنا، وأن من كان وراء تعيينه هو من يتحمل المسؤولية، وأن التسريبات "سياسية" وهي مقصودة لفرملة "عملية الإصلاح" التي يقودها "الزعيم بنكيران"، وأن "حساد" التجربة تضاعفوا، و"القافلة ماضية رغم كيد الكائدين"، وأن كل من ينتقد التجربة فهو مع هؤلاء، هزلت والله هزلت.