من يتأمل المشهد المغربي، ويرصد تعبيراته المتدافعة، يستشف بسهولة أن المغرب تخترقه أربعة تعبيرات فكرية واديلوجية متصارعة، ترتبط  في مجملها بأجندات خارجية للأسف الشديد..

التعبير الإسلامي المرتبط بدول الخليج والمشرق.

لقد برز هذا التعبير بشكل لافت مع موجة الربيع العربي الذي انطلقت شرارته الأولى من تونس بعد قيام البوعزيزي بحرق ذاته. هذا التعبير تتجاذبه عدة تيارات متناقضة في رؤيتها للدين، ومتصارعة فيما بينها فكريا، ومفتقدة في أغلبها لمشاريع مجتمعية واضحة.

استطاعت بعض أطراف هذا التعبير أن تصل إلى السلطة بعد سنوات من الاغتراب السياسي، والنفي، والحصار، كحركة النهضة في تونس، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي الجماعة التي انقلبت المؤسسة العسكرية في مصر على شرعيتها الديمقراطية بقوة السلاح وبدعم خليجي أنفقت فيه ملايير الدولارات، وتم الزج برموزها القيادية في السجون من بينهم الرئيس المنتخب، وقتل من أنصارها الآلاف في شوارع وساحات مصر...

في حين اختارت أطراف أخرى من هذا التعبير " الطرف السلفي الجهادي"  إما الذهاب إلى سوريا والعراق لمقاتلة بشار الأسد وحلفائه الشيعة، وإما الدخول في تحالفات مشبوهة ضد إخوانهم الذين وصلوا إلى السلطة، بسبب تباين جهة الولاء الخارجي، كما حدث في تونس ومصر، حيث استعملت التيارات السلفية المدعومة من طرف دول الخليج  وفلول  نظام بنعي وحسني مبارك في مواجهة النهضة والإخوان...

التعبير القومجي

تعبير له امتداداته في الزمان والمكان، وقد ارتبط تاريخيا بأنظمة البعث في سوريا والعراق، وبالنموذج الناصري في مصر، ويرتبط حاليا بمحور ما يسمى بدول الممانعة التي تقودها إيران.

يدافع الموالون لهذا التعبير بشراسة على النظام البعثي في سوريا، ويعتبرون أن ما حدث في العراق وما يحدث اليوم في الأرض السورية، مؤامرة أمريكو صهيونية تنفذها عصابات إرهابية مسلحة بالوكالة عن دول غربية وأنظمة رجعية عميلة لها ومعادية لدول محور الممانعة " سوريا، إيران، حزب الله في الجنوب اللبناني"

أتباع هذا التعبير يدعون الدولة المغربية إلى الانفتاح على إيران وتطبيع علاقاتها معها، بالنظر إلى عدد من المتغيرات الدولية التي حدثت في الآونة الأخيرة، وجعلت من إيران لاعب أساسي دولي مهم، بدل الاستمرار في لعبة شد الحبل معها..

التعبير الصهيوني

دور هذا التعبير هو تلميع صورة الكيان الإسرائيلي المجرم بطرق تدليسية، باعتباره الكيان الأكثر حداثة وديمقراطية في المنطقة مقارنة بباقي الدول العربية التي تستحم في مستنقع الإرهاب والاستبداد والتسلط والقهر. كما أن المستحمون في مستنقعه يسعون من خلال أدرعهم الإعلامية إلى تبييض الوجه الأسود للصهيونية ومحاولة إيجاد مسوغات لتبرير جرائم كيانها العنصري في حق الأرض والإنسان في فلسطين ولبنان وسوريا وفي بلدان أخرى كانت مسرحا لجرائم اغتيال ضد رجال مقاومة، بل وإظهارها في صورة الضحية التي يتكالب عليها العرب الهمج والإرهابيين وغير ذلك من الكليشيهات.

هذا التعبير، آخذ في الانتظام في إطار شبكات جمعوية يتولاها بعض نشطاء الحركة الأمازيغية، ويحاول اختراق أكثر البنيات حساسية في الدولة والمجتمع، وهو تعبير تحريفي تزييفي للتاريخ، تتحصن أبواقه الدعائية وراء الثقافة والدين والهوية والعرق لنفت سمومها في المجتمع وضرب الوحدة الوطنية.

الجهة التي تقف وراء هذا التعبير أو تدعمه غايتها الأساس هي تشكيل لوبي صهيوني ضاغط، لتبييض صورة الجلاد الصهيوني، وحماية مصالحه المتعددة في المغرب.

أبواق هذا التعبير، تروج في الصحافة الورقية وفي المواقع الإلكترونية بشكل  ملفت للانتباه في الآونة الأخيرة لعدد من المقولات الدعائية للكيان الإسرائيلي. كما تسعى إلى تبرير أهمية التطبيع مع هذا الكيان المجرم في مواجهة الأصوات الداعية إلى تجريم التطبيع معه بمبررات تتخفى وراء المصالح العليا للبلاد.

مع بروز مشروع قانون منع وتجريم التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، بدأت بعض الصحف والمواقع الإلكترونية-لاعتبارات خاصة بها- تروج لهذا التعبير، الذي يلقى مقاومة شرسة من طرف المكون الأمازيغي ذي الامتداد الوطني والقومي ومن طرف التيار القومي العروبي والتيار الإسلامي..

التعبير الفرونكوفوني

يتمتع هذا التعبير بنفوذ قوي ومؤثر جدا في الدولة.هذا التعبير منظم في إطار مقاولات، وجمعيات مدنية، وأحزاب، وشبكات مصالح، ومن جملة وظائفه، تسويق صورة فرنسا والدفاع عن مصالحها الحيوية والإستراتيجية وتعزيز لغتها في مؤسسات الدولة الرسمية وفي المجتمع من خلال مشاريع متنوعة في مجال التعليم تستهدف الهوية واللغة الوطنيتين. كما أن هذا التعبير يوظف في أكثر من مناسبة للتشويش على المغرب وضرب قيمه المجتمعية ولا يجد موالوه أي حرج في الانتصار لسلوكيات شاده ومريضة ومنبوذة دستوريا وأخلاقيا وقانونيا وقيميا وإنسانيا حتى لو تعارضت مع ثوابت هذه الدولة وأسس مشروعيتها..

يستشف من خلال جردنا لهذه التعبيرات، التي تتصارع اليوم بشكل مكشوف في الندوات، وعلى صفحات الجرائد الوطنية، وفي المواقع الإلكترونية، وفي قنوات القطب العمومي، أن المغرب تحول إلى ما يشبه ساحة حرب تتصارع فيها كل التيارات الفكرية والعقدية والإديلوجية والانتهازية القادمة من الخارج..

في حين أن النزعة الوطنية التي ميزت الفعل النضالي للنخبة والأحزاب الوطنية المغربية خلال عقود من الزمن، أصبح من الصعب جدا إيجاد امتدادا لها في التربة المغربية، التي تسربت إليها بدور فكرية وعقدية واديلوجية دخيلة، جعلتها مهددة بالتصحر الوطني بحكم عوامل التعرية القادمة إلينا من الآخر الذي يتكالب علينا كما تتكالب الذئاب الجائعة على فريستها.

لا عيب في أن يكون المغرب نموذج لتعايش الأديان وتلاقح الأفكار، ولا عيب أن يكون المغرب نموذج للانفتاح والتسامح، ومنتدى عالمي لحوار الحضارات والثقافات...لكن، أن يتحول الوطن بين عشية وضحاها، إلى مشتل لصناعة التطرف والإرهاب "لا". أن يتحول الوطن إلى بقرة حلوب ومختبر تجارب لدوي المصالح " لا" . أن يتحول البلد إلى مركز لتبييض جرائم السفاحين أيا كانت ملتهم ودياناتهم "لا". أن يتحول البلد إلى فضاء حر لشواذ ومثلي حركة فيمن الماسونية "لا".

من يروجون في المغرب، لفكر القاعدة، أو لفكر جماعة الإخوان المسلمين، أو للفكر الشيعي، أو للبهائية، أو للتنصير، أو للفكر الصهيوني، أو للمثلية، أو للشدود، عليهم أن يتقوا الله جميعا في وحدة هذا الوطن الذي تميز تاريخيا بوسطيته واعتداله في كل شيئ...

ومن يرضون لأنفسهم الرخيصة أن يكونوا أبواقا للمستعمر، وعملاء للصهيونية، وسفراء لأنظمة الفساد والعهر والاستبداد والإجرام والقتل، في الخليج و المشرق، مقابل دراهم معدودات، أو مصالح فئوية ضيقة، أو واجهات إعلامية مزيفة، عليهم أن يتأكدوا أن مزبلة التاريخ هي مصيرهم.

من يدعي أن الجهاد في سوريا يدخل في إطار نصرة الأخ المسلم وحمايته من بطش بشار الأسد والرافضة، جاهل و خاطئ وعليه أن يعلم أنه ألعوبة في يد المخابرات الدولية التي تخوض من خلاله حربا بالوكالة ضد نظام فاسد وشعب لا ذنب له بحسابات استخباراتية جيو استراتيجية كبرى لا مجال فيها للإنسانية ولا للدين، ونفس الأمر ينطبق على مبيضي جرائم السفاح بشار الأسد تحت غطاء الممانعة المفترى عليها، وعلى أنصار المؤخرات والميوعة والعهر الثقافي والفني..