لا زلت أتذكر يوم كان عمري لا يتجاوز خمس عشرة أو ست عشرة سنة ، وكان الإسلاميون بمختلف تلاوينهم قد يمموا وجههم نحو أفغانستان التي كانت وقتها أرضا لتصفية الحسابات بين المعسكرين الشرقي والغربي، واستغلت عواطف النصرة الساذجة عند كثير من المسلمين لدفعهم للمشاركة تلبية لطموح أمريكي في تفتيت الاتحاد السوفياتي والقضاء على الفكرة الشيوعية، وأذكر يومها حين اقترب موعد الحسم بداية التسعينات كيف كان يروج للمعركة القائمة بكابول بين ما عرف بالمجاهدين الأفغان والقوات الموالية للجيش الأحمر على أنها المعركة الفاصلة التي ستحدد مسارات الأمة الإسلامية ، والتي ستعلن عن تاريخ جديد لها والتي ستمهد لمعركة القدس الكبرى، وووووو.. من أضغاث الأحلام التي كانت تخدر بها العقول من طرف مخدرين محليين وعالميين كانوا يمارسون هذه المهنة كما لا زال كثير منهم إلى اليوم؛ تلبية لرغبات الحكومات الموالية للمعسكر الغربي والقائمة على تنفيذ أجنداته وتسهيل حصوله على مطامعه.
سقطت كابول بيد المجاهدين الأفغان، وانهارت الأحلام بل تحولت إلى كوابيس، بدءا باندلاع الاقتتال بين الفصائل المجاهدة وإخوة الأمس، مرورا بتلاشي ملامح الدولة الإسلامية التي كانت حلم المقاتلين والمتعاطفين، وانتهاء بتسليم المقاتلين العرب لسجون الأنظمة العربية خوفا من تغول الفكر الجهادي وتحوله إلى ديارها.
تذكرت كل هذه الأحداث والمسارات التي مهما بدت تافهة وساذجة اليوم، فقد كانت وقتها محركات للوجدان والعواطف والفكر، وكان لتلك الخيبات جروح وندوب لا زالت آثارها على كثير ممن عايش تلك الحقبة - وأنا واحد منهم - إلى اليوم، وما استثار ذاكرتي لكل ذلك هو تدوينة قرأتها للشيخ السعودي المعروف عوض القرني حول ما جرى مؤخرا من معارك حول مدينة حلب بين القوات الموالية لبشار وقوات المعارضة السورية بمختلف فصائلها القومية والجهادية سوى داعش طبعا، حيث قال: معركة حلب ستقرر مصير سوريا كلها، ومعركة سوريا ستقرر مصير المنطقة والأمة لمائة عام قادمة، فهل تعي أمتنا ذلك؟؟، الدعم والدعاء ملحمة حلب الكبرى"، فالشيخ هنا على غرار كثير من المطبلين والمزمرين الذين تعج بهم صفحات وسائل التواصل الاجتماعي كرروا نفس الألفاظ والعبارات و الأحلام والأوهام بطريقة ساذجة رغم تباعد الزمن وتعاقب الأيام.
ومما يزيد عجبي واستغرابي، أن يكون الدكتور عوض القرني صاحب التدوينة أحد المهيجين القدامى على الالتحاق ببلاد الأفغان، وليس بعيدا أن يكون كتب مثل هذا الكلام وبنفس الألفاظ عن كابل أو خوست أو جلال أباد، ولو كان يومها مثل مارك زوكربرغ أو جاك دورسي لبقيت كلمات العوضي وغيره من مهيجي الحروب تاريخا مدونا وشاهدا على هذه الحماسات الفارغة والأحلام الواهمة .
ويعظم العجب والاستغراب حين تجد أن مثل هذا الكلام الحماسي المرسل كرر مرات ومرات، مع كابل وأخواتها، وخلال حروب البوسنة وكوسوفا والصومال والعراق، وغيرها من الحروب التي تهيج فيها مشاعر المسلمين ويكون فيها الشباب محارق ووقود دون نتيجة تذكر، وكل مرة تردد نفس الأسطوانة بأن هذه المعركة هي الفاصل وهي المنعرج وهي اللحظة الحاسمة وهي التي ستحدد مصير المنطقة لمائة عام وألف عام وألف قرن، وفي كل مرة ينتهي الحال باقتتالات داخلية وخيبات ونكسات، دون اتعاظ ولا اعتبار، ولا تغيير في الخطاب، ولا وعي بتلاعب القوى الدولية بوجدان الشعوب وتوجيهها نحو مصالحها ومطامعها، في سذاجة تظهر كأنها أزلية لا انفكاك عنها عند النخبة السنية.
إلى متى سيظل هؤلاء المشايخ والدعاة ومسعرو الحروب دون أن يشاركوا فيها متشبتين بسوق الأوهام والأحلام للأجيال الصاعدة، وربطها وربط عواطفها ووجدانها وطاقتها بحروب إقليمية ودولية، المحركون لها قوى عالمية لها مصالحها وأهدافها الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية، ووقودها جحافل من الشباب المسلم القاصر في وعيه والمهمش في مجتمعه، بهوية مضطربة وبنية عقلية هشة قابلة للاستقطاب لمجرد تدوينة أو بيان أو نداء من هؤلاء الشيوخ الذين يمارسون التحريض من فيلاتهم الفخمة، وأمام مسابحهم المنعشة؛ وحين تكلم أكباد أمهات هؤلاء الشباب، أقصى ما يقدمه لهم الشيخ المحرض تدوينة على الفايسبوك أو تويتر يعلن فيها حزنه وتأثره، مع علانة صفراء باهتة تشير إلى حزن المسكين وتأثره.
انقضت معركة حلب، ولا يعلم إلى اليوم من المنتصر ومن المنهزم في ظل تضارب الأخبار وتناقضها، وفي ظل بعض الأنباء باستعداد داعش للانقضاض على حلب وخطف ثمرة ما تدعي المعارضة أنها حققته، لايشغلني ذلك كله، لكن السؤال الذي يشغلني: على من يكون الدور يا ترى، وما هي المدينة التي سيقال لنا أن مصيرها سيحدد مصير الكون لألف سنة قادمة؟

*باحث وكاتب