أظن نفسي مواطنا مغربيا، ولاشيء أكثر من الظَّنْ، لأني كأي مواطن يعي جيدا شروط المواطنة والقالب الذي ينبغي أن تصاغ على نموذجه كي تصبح مواطنا صالحا في بلد إسمه المغرب، وهذا الغموض في كوني مواطنا أم ليس كذلك، يرجع بكل بساطة إلى كَوْنِ أَنَايْ لا تقبل ولا ترضى لذَاتها أَن تُجَسِّدَ منطق الوصاية والطاعة، لذلك فلا يَسَعُ قَدَرِي إِلاَّ أن يُقذِفَ بِي في مزبلة عملاء البوليساريو و رعاع الملاحدة، والحصيلة هي أني مواطن خائن لا أستحق أن أكون مواطنا من الدرجة الأولى، لسبب واحد هو: أَنِّي اشْتَقْتُ لِنَسْيمِ الحرية فناديت: "حرية، عدالة اجتماعية، ديمقراطية"، وكما عهدنا فإن سلاح العَمَالَة والإِلحْاَدْ والطّائِفِيَة، هي إيديولوجيات يستعين بها أيُّ نظام ديكتاتوري عبر وسائل إعلامه وقنواته المخزنية من أجل تضليل الرأي العام، مادام الهدف هو حفظ الأمور كما هي عليه لاستمرار ضمان مصالحه، هذه لعنات لم تترك أي مواطن أراد الإنعتاق من نيران الاستبداد والدكتاتورية إلاَّ ونزلت عليه.

والواقع، فإنه مهما كانت العراقيل والعقبات لتكسير خطوات تجد كل طموحاتها في تحقيق كرامة شعبها وعدالته الاجتماعية، فلا يكون بإمكانها كبح مجريات التاريخ وتطوره، ولنا في التاريخ "عِبْرَةٌ لعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونْ"، فلا أحد ينكر أن معظم دول العالم إن لم نقل الكل سائرة في طريقها للانتصار لقيم الحداثة، وهذا ما تُؤكده جميع الدراسات السوسيولوجيا المعاصرة، بمعنى أن التاريخ لا يَأْبَى إِلاَّ أَنْ يسير في مساره التقدمي الرَّامِي إلى تجاوز عِلَلْ الديكتاتورية والتخلف، الشيء الذي يضعنا مَوْضِعَ استغراب الناتج عن عدم تنازل الحكام لتطلعات الشعوب الرامية إلى تحقيق نوع من الانتقال الديمقراطي دون إراقة دماء و إثارة حروب عرقية طائفية، فهل لأن هناك قُصُور في مدى أهلية حكام الدول الديكتاتورية لمنصب الزعامة من حيث الحنكة السياسية والتراكم المعرفي من جهة دِرَايَتِهِمْ بِالتاريخ، أم أن السُّلطة عزيزة على النفس لا يتم التنازل عليها أو تقاسمها إلاَّ تحت القوة رغم درايتهم التامة بمصير الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية في آخر المطاف؟

لا يُجْدِ الأَسف نفعا في حظٍّ عثر بِنَا في بلد يحكمه أُناس من صنف آخر، غريبون عن جنس بني آدم، إذ لا تظهر آدَمِيتُهُمْ إلاَّ خلف السِّتَارْ حين تبدأ الحِكاية في عَدِّ الطًّبْخَة المُزْمَعِ تقاسمها على حساب ثروات شعب مغلوب على أمره، وبعد محاولة إسدال السِّتَارْ لم يبقى من تلك الآدمية غير شبح العفاريت والتماسيح على لسان فخامة الرئيس عبد الإلـه ابن كيران، كما لو أنّنَا في حضيرة النَّسَانِيسْ، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن طَرْطُورْ لا تتحدد مهمته إلا في وصف الألاعيب الداخلية لكواليس عفاريت حكومته، وممارسة بعض الصلاحيات المحدودة جدا التي تم التنازل عليها تحت ضغط الشارع.

وعليه، فعوض العمل على تحديث أفكار وإيديولوجيات مؤسسات الدولية أبرزها: الاحتكام إلى معايير الكفاءة والقانون والعمل على خلق نوع من التعاقد بين الدولة والشعب بشكل ينسجم والقيم الكونية للعصر، فإننا نجد تلك المعايير تتحدد في الثقة والولاء لتقلد مناصب سامية في هرم السلطة السياسية أو العسكرية، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام: إلى متى سنصير على هكذا حال؟ جميع شعوب العالم نفضت عنها غبار التخلف والاستبداد ما عدا شعوبنا العربية الإسلامية، ما هذه اللعنة التي أصابتنا أهو سخط أم امتحان أَُرِيدَ لنا به تجرع مرارة الذل والهوان؟