لماذا يقامرون بأمن واستقرار طنجة وهي مدينة حساسة ولها وضعها الاعتباري الخاص من أجل إرضاء شركة فرنسية تسرق أموال الطنجاويين وتخرق دفتر التحملات ولا تفي بالتزاماتها؟ لماذا لا يريدون فسخ العقد الرابط بين المجلس وبين شركة أمانديس مادام أن المجلس الجماعي له إمكانية فسخ هذا العقد بعد أن فشلت هذه الشركة في تدبير قطاع الماء والكهرباء؟ هل يريدون إحراق مدينة طنجة وتخريبها لكي لا يغضبوا ماما فرنسا التي لا تغضب شعبها من أجل إرضاء الدولة المغربية في قضايا عدة ولعل الجميع يتذكر كيف تحجج الفرنسيون باستقلالية السلطة القضائية عن الحكومة إبان تفجر قضية عبد اللطيف الحموشي؟ هل المقاربة الأمنية المحفوفة بمخاطر تفجير الأوضاع في جهة الشمال كاملة هي الحل؟ هل كانت تستدعيها ضرورة المحافظة على النظام العام؟ أم أن الحسابات كانت أعمق من ذلك بكثير؟

ما حدث يوم أمس في طنجة يلزمه حل واحد وهو وضع حد للشركة الفرنسية، أما منطق الإرضاء من أجل سواد عيون الفرنسيين على حساب كرامة ومصلحة ساكنة الشمال فلا مستقبل له. كما أنه على الذين يسعون لإرضاء ماما فرنسا أن يستوعبوا أن فرنسا لا ترضي المغرب ولا تأخذ مصالحه بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمر بمصالحها ومصالح مواطنيها والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.
ما يقع اليوم في جهة الشمال التي يكبر فيها الاحتقان الاجتماعي يوما بعد يوم بسبب الإحساس بالحكرة، أمر يستدعي إلغاء نظام التدبير المفوض لقطاعي الماء والكهرباء، لأن نتائج اعتماد هذا النظام كانت سلبية وأغلب الشركات والوكالات المستقلة التي فوض لها تدبير قطاعي الماء والكهرباء في عدد من المدن ولا سيما الكبرى منها لا تحترم بنود دفاتر التحملات وتلهب جيوب المواطنين. ما الفائدة من شركات لا تحترم التزاماتها وتراكم الثروة على حساب المواطنين؟
واهم من يعتقد أن الحراك المغربي الذي انطلق في سنة 2011 قد استكان، وأن المقاربة الأمنية المتشددة في التعاطي مع الاحتجاجات المشروعة للمواطنين ضد الفساد والظلم والحكرة الاجتماعية هي الحل، فما حدث يوم أمس 24 أكتوبر في عروس الشمال طنجة العالية، والذي سيبقى موشوما في ذاكرة الشعب المغربي، مؤشر قوي على أن الحراك في لحظة كمون فقط وأن المغاربة مستعدون في أي لحظة للخروج إلى الشارع ضد الظلم والفساد.
ما وقع في طنجة رسالة حضارية تحتاج لجواب حضاري. منطق قمع المطالب العادلة والمشروعة منطق محفوف بمخاطر ضرب الاستقرار. الطنجاويون كانوا رائعين في احتجاجهم السلمي.لم يحدث أي تخريب أو تكسير للممتلكات العامة والخاصة ولم يسجل أي ضرب أو جرح.
إلى حدود الآن أشرطة الفيديو والصور التي وثقت تظاهرة يوم أمس السلمية، توضح بجلاء أن الحراك الطنجاوي كان في المستوى، بعد أن دق الطنجاويون ناقوس الخطر، وأخذوا مبادرات حضارية وغير مسبوقة لم يتم التعامل معها كما ينبغي للأسف الشديد، بل هناك بعض الأطراف السياسية أرادت استغلال تلك المبادرات وتوظيفها لمصلحتها السياسية والحزبوية بشكل فج وضيق في إطار صراعها السياسي، رغم أن هذه الجهة، هي التي كانت إلى حدود الأمس القريب تسير مدينة طنجة وتحمي مصالح الشركة الفرنسية ضد الساكنة التي تتضامن معها اليوم !!!
ما الذي يعنيه إطلاق حملة إعلامية موسعة في عدد من المواقع الإلكترونية وفي شبكات التواصل الاجتماعي وفي بعض الجرائد تروج لتضامن مغشوش مع ساكنة طنجة ضد شركة أمانديس من قبل تلك الجهة؟ هل يريدون الضحك على ذقون ضحايا هذه الشركة التي أخلت بالتزاماتها مرات عدة بلعبة نحن معكم والآخرين ضدكم !!!!
لا لا لا، هذه الأساليب غير مسؤولة ولا حضارية وتنم عن بؤس سياسي غير مسبوق في البلاد. اختصاصات كل جهة معروفة وينظمها القانون، ولكل جهة مجال تدخله، وما محاولة صدم الشارع مع طرف سياسي معين لخدمة مشروع طرف سياسي آخر، دون الأخذ بعين الاعتبار تبعات ذلك على أمن واستقرار المدينة والجهة ككل، مقامرة ما كان لها أن تكون، ولا ينبغي لها أن تتكرر مستقبلا في أي مدينة من جغرافية هذا الوطن الآمن والمستقر.
الكل يعلم أن عمدة مدينة طنجة السابق، فؤاد العماري، كان ينتمي لحزب البام ووجود شركة أمانديس وجود سابق عن ترأس البيجيدي لعمادة طنجة ولمقاطعاتها. فلماذا وقع اليوم من احتقان متسارع ما لم يقع بالأمس مع العلم أن ظلم أمنديس للساكنة قديم؟ لماذا يراد تحميل المسؤولية لحزب العدالة والتنمية، مستغلين في ذلك سذاجة مسؤولي هذا الحزب، الذي ذهب نائب عمدته بكل وقاحة إلى حد الوشاية المخزية بالعدل والإحسان، التي اتهمها رفقة من أسماهم بداعش واليساريين الحالمين بالثورة بالركوب على المستضعفين، بدل التعاطي مع فساد الشركة الفرنسية أمانديس بشكل جدي ومسؤول؟
محاولة دخول رئاسة الجهة على خط الأزمة بطريقة فجة روجت لها عدة مواقع " رفض أداء فواتير الماء والكهرباء، والتضامن مع الساكنة" يعد في الواقع ضرب من ضروب العبث السياسي في التعامل مع القضايا الحساسة جدا بشكل مسؤول.
الحراك المغربي في حالة كمون فقط، ومن يعتقد أن هذا الحراك قد انتهى ولا بد من العودة لمنطق التحكم، فأنصحه بإعادة قراءة الواقع بشكل جيد. ما وقع في 2011 أشبه بالرجة الزلزالية فقط، والدول التي تعرف رجات زلزالية بين الفينة والأخرى، من غير المستبعد أن يضربها الزلزال، وهذا ما لا نتمناه لوطن يهمنا استقراره وأمنه لأنهما أغلى وأولى بكثير من حسابات السياسيين، ومن مصالح شركة فرنسية لا تحترم التزاماتها وتخل ببنود دفتر التحملات.
أمانديس مطالبة بالرحيل وتقديم الحساب بعد أن أخلت بالتزاماتها والدولة مطالبة بإعادة النظر في سياسة التدبير المفوض لقطاعين حيويين واستراتيجيين مثل الماء والكهرباء بعد أن تناسلت فضائح الشركات في البيضاء وطنجة والرباط والقنيطرة وغيرها من المدن. الوقاية خير من العلاج.