لعل ما يثير استغراب الملاحظ هذه الأيام لاستعدادات الحكومية لاستقبال الانتخابات مجلس النواب المغربي لسنة 2016 هو تخصيص الحكومة المغربية لمبلغ 200 مليون درهم كمبلغ كلي لمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي ستقوم بها الأحزاب المشاركة في الانتخابات القادمة كما ورد في المادة الأولى من قرار رئيس الحكومة رقم 3.191.16 الصادر في 10 غشت 2016 و المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6490 الصادرة في 11 غشت 2016 وقد حدد في مرسوم آخر سقف المصاريف الانتخابية بالنسبة للمترشحين والمترشحات الخاصة بالانتخابات العامة والجزئية لانتخاب أعضاء مجلس النواب في خمسمائة ألف لكل مرشح ومرشحة.
وبعبارة أخرى، فإن ميزانية من حجم 50 مليون سنتيم ستكون موضوعة رهن إشارة كل مرشح ومرشحة، حسب ما فهت، للقيام بحملته الانتخابية.صراحة فإن المبلغ المحدد لكل مرشح يتجاوز طاقة ميزانية المغرب التي تقدر إراداتها ب 37 مليار دولار ويتوقع أن تتراوح نفقاتها معدل 40 مليار دولار لهذه السنة حسب ما هو منشور في موقع "روسيا اليوم".
هذا الاستغراب قادني للبحث حول الاعتماد المالي الذي تخصصه حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لتمويل الانتخابات الرئاسية فوجدت أن المصاريف الكلية حددت في مبلغ 144,21 مليون دولار لسنة 2016 علما أن نفقات ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 2016 حددت في 4000 مليار دولار وتفوق نفقات ميزانية المغرب مائة مرة: 4000/40=100. وإذا قمنا بمقارنة بين المبلغ الكلي المغربي المخصص لانتخابات و المبلغ الأمريكي فنجد ما يلي: 20 مليون دولار مقابل 21، 144 دولار.وإذا قمنا بالقسمة فنجد أن الفارق يكاد يتجاوز 7 مرات: 21،144 / 20= 7,21. وبالإضافة إلى ذلك نجد عامل السكان. فالولايات المتحدة الأمريكية تعرف ارتفاعا في عدد السكان وصل إلى 318.9 مليون نسمة سنة 2014 و بالمقابل فإن عدد سكان المغرب وصل إلى 33.8 سنة 2014.
و إذا قمنا بالقسمة فنجد أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز عدد سكان المغرب بأكثر من 9 مرات: 318.9/33.8=43،9.و إذا قمنا بقسمة المبلغ الكلي الأمريكي المخصص لانتخابات على كل عدد من السكان يقدر ب 33.8 مليون نسمة فنجد الرقم التالي: 23،15 مليون دولار.هذا إن كان مستوى العيش في البلدين متساوي وأنهما يملكان نفس الميزانية. وإذا أخذنا الفارق بين ميزانية البلدين فنجد أن المبلغ المستحق المساوي للصرف هو0.15 مليون دولار وهذا هو المبلغ الذي يتناسب مع مستوى ميزانيتنا ذات الإيرادات المحدودة.وبعبارة أخرى، فإننا في حاجة إلى كل تلك الأموال للتخفيف من حدة الدين الخارجي المحدد في أكثر من 28 مليار دولار والتخفيف من نسبة العجز التي تتراوح في حدود ثلاثة مليار دولار لهذه السنة إلا أن مجموع الدين العمومي المغربي وصل سنة 2015 ما يفوق 74 مليار دولار وهو في تفاقم سنة بعد سنة. والسؤال الذي يفرض ذاته هو ما العمل للخروج من هذا المأزق؟
أولا، ينبغي أن تنهج الحكومة القادمة سياسة التقشف والتخفيف من العديد من المصاريف وترشيد أخرى.إضافة إلى تخفيض أجور بعض الموظفين السامين لتتماشى مع حجم إيرادات الميزانية.ثانيا،هناك حاجة ماسة إلى استعادة كل ما تملكه الدولة من أملاك كانت قد قامت بكرائها بمبالغ رمزية لأجل 99 سنة و إعادة تقييم كراء تلك الأراضي بأثمان معقولة والقضاء على كل امتياز من شأنه أن يحرم ميزانية المغرب من مداخيل هامة قد تخفف نسبة العجز. رابعا، مراجعة معاشات البرلمانين والوزراء لتوفير بعض الموارد المالية إضافة إلى إجراءات أخرى.
خامسا، إطلاق حملة وطنية للتبرع لأداء الدين العمومي المغربي وتخصيص صندوق خاص لهذا الغرض وحث كل المغاربة على المساهمة في هذا العمل الوطني ولو بدرهم كلما سنحت لهم الفرصة وفتح باب المزايدة والتباهي في التبرع للوطن وستكون فرصة سانحة لاختبار وطنية الأفراد و الأحزاب وما ستحدته من الإحراج للشخصيات التي لا تتبرع ونريد المزايدة في هذا الباب.وحتى نكون منصفين،فإن الحكومات التي سبقت حكومة الأستاذ عبد الإله بن كيران اعتمدت على الخوصصة لتوفير السيولة بدلا عن الاقتراض ولذلك من آثار سلبية على إيرادات الميزانية المستقبلية وحرمانها من مداخيل المؤسسات التي بيعت.فكلتاهما الخوصصة و الإقتراض لهما آثار كارثية مستقبلية.و السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحملات الانتخابية هو ما ذا أعدت الأحزاب السياسية المغربية من حلول لتخفيض الدين العمومي وزيادة إيرادات الميزانية المغربية؟و يبقى هذا السؤال مفتوح لجميع الفاعلين الحزبيين لإجابة عنه و نريد خطط مفصلة و مدققة عوض التلويح بحلول عامة سرعان ما تتبخر باصطدامها بالواقع.