بديل ــ الرباط

وصفت العديد من المصادر القضائية تصريحات امحمد الهيلالي، القيادي في حركة "التوحيد والإصلاح"، والتي قال فيها إن " شباط بخلقه لأجواء فتنوية وتحريضه الهيستيري ضد رموز الحكومة والعدالة والتنمية هو المسؤل الأول عن موت عبد الله باها"، بأنها تصريحات"خطيرة جدا"، مؤكدة ذات المصادر على أن هذه التصريحات تتضمن "أفعالا جُرمية"، تستوجب لزوما بحثا قضائيا مع مرتكب هذا الفعل، وإلا اعتبر الهيلالي "رجلا فوق القانون".

ورأت المحامية " رشيدة آيت حمي"، في تصريحات الهيلالي "تلاعبا واضحا بمشاعر المواطنين"، وبأنها "تزرع الفتة والبلبلة" بين المغاربة، مستغربة بشدة، في تصريح لـ"بديل" لعدم تحرك النيابة العامة ضده لحد الساعة، رغم أن "الفعل الجرمي واضح وتابت" من خلال "اتهام مباشر لشخص" بمسؤوليته في وفاة عبد الله باها.

المحامي بهيئة تطوان "الحبيب حاجي"، بدوره يرى ضرورة البحث مع الهيلالي من طرف الشرطة القضائية، و"إلا أصبح القانون عرضة للانتهاك والسخرية"، مشيرا حاجي إلى أن الهيلالي "مطالب اليوم بتوضيح العلاقة بين شباط وباها".

وقال حاجي إن تصريحات الهيلالي من شأنها أن "تُثير الرأي العام و تُخِلَّ بالأمن العام"، مؤكدا تضمُّن هذه التصريحات على إهانة صريحة للسلطة القضائية، بعد بيان الوكيل العام في الموضوع، إذا كان الهيلالي يُبلغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها، بصرف النظر عن السياق الذي يتحدث فيه.

وأوضح حاجي أن جميع الأجهزة اليوم مُطالبة بالتحرك وليس فقط جهاز النيابة العامة، خاصة وأن الأمر يتعلق بوزير دولة كان يُدبر الشأن العمومي إلى جانب رئيس الحكومة.

فقيه قانوني شهير في المغرب، طلب عدم ذكر اسمه، رأى في تصريحات الهيلالي "سبا وقذفا" واضحين، موضحا لموقع "بديل" أن الهيلالي بتصريحه ذاك إنما يبلغ عن جريمة، ما يقتضي البحث معه لتبيان الأمر للرأي العام و"إلا انتهكت الشرعية ودخل المغرب مرحلة العبث من بابه الواسع"، يضيف نفس المصدر.

وأوضح المصدر ذاته أن تصريح الهيلالي تؤطره تهم "الوشاية الكاذبة" و"التبليغ عن جريمة خيالية" و"السب والقذف" و"إهانة هيئة منظمة"، في إشارة إلى بيان القضاء الذي اعتبر وفاة باها ناجمة عن حادثة سير.

وأكد "الفقيه القانوني" أنه إذا لم تُتخذ إجراءات قضائية ضد تصريحات الهيلالي، فمن شأن هذا أن يُثير "التسيب والفتنة، و"البلبلة والمس بأعراض الناس والموتى"، كما سيُظهر هذا التجاهل لتصريحات المعني أن "القانون بلا قيمة ولا اعتبار في هذا البلد، وهو أمر خطير للغاية"، يضيف ذات المتحدث.

من جهته، يرى المحامي بهيئة القنيطرة محمد حداش، وجوب البحث مع الهيلالي، لأنه لا أحد غير القضاء يستطيع معرفة ما يدور في رأس الأخير، أو معرفة المعطيات التي يتوفر عليها بخصوص ظروف وفاة باها. وأوضح حداش أن شباط وفقا لتصريح الهيلالي فاعل معنوي، إن كانت هناك جريمة قتل، موضحا أن تصريح الهيلالي يتضمن "فعلا جرميا" لأن الاتهام واضح وصريح، ما يقتضي المساءلة القضائية إذا كان الأمر يتعلق بتبليغ كاذب.

وأوضح حداش أن البحث القضائي وحده له أهلية الحكم، عما إذا كان تبليغ الهيلالي فارغا أم غير فارغ، مشيرا إلى أن جميع أجهزة الدولة مطالبة بالتحرك وليس فقط جهاز النيابة العامة، بحكم ما تضمنته تصريحات الهيلالي من خطورة على أمن المواطنين وكذا لحساسية قضية اهتزت معها أركان الدولة المغربية.

مزايدات سياسية !

وإذا كان هذا رأي هؤلاء فإن للمحامي عبد العزيز النويضي رأي آخر؛ حيث يرى هذه التصريحات مجرد "تصريحات مجانية تدخل في إطار المزايدات السياسية" وفي إطار التسخين للحملات الانتخابية، نافيا أن تكون هذه التصريحات تستوجب البحث أو المساءلة القضائية.

نفس الموقف تبنَّاه مصدر قضائي آخر، بدوره طلب عدم ذكر اسمه؛ حيث تحدث المعني عن حقيقتين واحدة سماها بـ"الحقيقة القضائية" وهي التي أعلن عنها بيان الوكيل العام للملك باستئنافية الدار البيضاء، والقاضية بأن الوفاة ناجمة عن حادثة سير، والثانية سماها بـ"الحقيقة السياسية"، التي زعمها الهيلالي والتي لا تخرج عن إطار المزايدات السياسية الساعية لشغل بال الرأي العام، والتي لا يجب الالتفات إليها، مُشبها ما يجري مع باها، اليوم بما ظل يجري مع الاتحاديين بجثة المهدي بنبركة كلما اقتربت الانتخابات.

ويرى هذا المتحدث أن شباط وحده من له الصفة في مقاضاة الهيلالي، موضحا أن الأخير لو كان وجه اتهاما للدولة أو أجهزتها لجاز أن تتحرك ضده النيابة العامة، أما وأن القضاء قال كلمته، فإن شباط وحده المعني بتصريحات الهيلالي.

كلام لا أساس له من الصحة

لكن الفقيه القانوني ومعه المحامية آيت حمي والمحاميان حاجي وحداش يختلفون جميعا مع هذا المصدر القضائي، وتساءل الفقيه المعني قائلا "هل إذا سرق مواطن خروفا في عيد الأضحى سنقول إن الفعل أوجبته مناسبة العيد، وبالتالي لا مساءلة، و"هل إذا سرق مواطن الحريرة في شهر رمضان سنبرر فعله بهذه المناسبة"؟

واعتبر الفقيه القانوني دُفعات المصدر القضائي لا أساس لها من الصحة، مادام لا يوجد هناك نص قانوني يسمح للسياسيين بالتحريض والتبليغ عن الجرائم الخيالية والوشاية الكاذبة والسب والقذف خلال الحملات الانتخابية، موضحا ذات المصدر أن القانون وحده من يحتكم إليه عند تقييم سلوكات الناس، وأن هذا القانون لا يخضع لمناسبة الانتخابات أو غيرها، بل إن هذه المناسبة هي ما يستوجب حرصا أكثر من السياسيين على تخليق البيئة السياسية واحترام القانون والمؤسسات الدستورية.

إلى جانب ما تقدم به الفقيه القانوني، يواجه تصريح المصدر القضائي حول كون القضاء قال كلمته في ظروف وفاة باها، حقيقة أخرى يجمع عليها كل الفاعلين، وهي أن القضاء المغربي غير مستقل وبه اختلالات، تحدث عنها الملك بنفسه من خلال خطاب 2009، وغيره، ويؤشر عنها أيضا ورش إصلاح العدالة، الذي أطلقه الملك مع حكومة العدالة والتنمية.

ضرورة استقلال جهاز النيابة العامة

يرى الفقيه القانوني أن طريقة تعاطي النيابة العامة مع تصريحات الهيلالي، هي ما يؤكد أكثر على ضرورة استقلال جهاز النيابة العامة عن وزير العدل، موضحا أنه لو كان هذا الجهاز مستقلا عن الوزير السياسي، لكان الهيلالي خضع للبحث كأي مواطن مغربي.

وقال الفقيه القانوني إن ما كتبه موقع "بديل. أنفو"، حول قضية المهندس أحمد بنالصديق، قبل البحث معه بخصوص هذا الخبر من طرف الشرطة القضائية، "مايساوي حتى بصلة أمام ما صرح به الهيلالي" على حد تعبير نفس المصدر، موضحا أن تصريحات الأخير، خطيرة جدا، لأنها تتضمن اتهامات صريحة وواضحة، في قضية تهم جميع المغاربة أكثر من قضية المهندس بنالصديق، بحكم أن الوزير يمثل مصالحهم ويعكسهم، عبر صناديق الإقتراع.

وتساءلت المحامية "خديجة آيت حمي" عما إذا كان رئيس النيابة العامة مصطفى الرميد سيبقى متفرجا لو أن هذه الاتهامات صدرت على لسان شخص لا ينتمي لحزبه السياسي؟ موضحة أن تصريحات الهيلالي تمس بالحق العام، وبالتالي لا تنتظر هنا النيابة العامة شكاية المتضرر المباشر للتحرك.

الرميد  والهلالي يرفضان التعليق

لأكثر من عشرين اتصال، وموقع "بديل" يتعذر عليه الاتصال برئيس النيابة العامة مصطفى الرميد. وفي كل مرة ظل ديوانه يحدد موعدا للاتصال بالوزير، دون الوفاء بالالتزام.

أما الهيلالي، فقد طلب إعفاءه من التعليق، عن الموضوع رغم الإلحاح الكبير للموقع.

الهيلالي أمام فصلين جنائيين

بالعودة إلى مقتضيات القانون الجنائي المغربي يمكن تأطير تصريح الهيلالي بفصلين جنائيين الأول هو الفصل 264 الذي يعتبر إهانة، ويعاقب بهذه الصفة، قيام أحد الأشخاص بتبليغ السلطات العامة عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها أو بتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية أو بالتصريح لدى السلطة القضائية بارتكابه جريمة لم يرتكبها ولم يساهم في ارتكابها.

أما الفصل الثاني فهو المادة 445 التي تفيد مقتضياتها "من أبلغ بأية وسيلة آكانت، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر إلى الضباط القضائيين أو إلى ضابط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيئات مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة، وكذلك  من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم، ويجوز للمحكمة أن تأمر علاوة على ذلك، بنشر حكمها كله أو بعضه في صحيفة أو أكثر، على نفقة المحكوم عليه. وإذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب زجرا جزائيا أو إداريا، فإن المتابعة عن الوشاية الكاذبة، تطبيقا لهذا النص، يمكن الشروع فيها، إما عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ ضده أو إعفائه أو عقب صدور أمر أو قرار بعدم متابعته أو عقب حفظ الشكاية بأمر من أحد رجال القضاء أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية. وعلى المحكمة التي ترفع لها الدعوى بمقتضى هذه المادة، أن تأمر بوقف نظر دعوى البلاغ الكاذب، إذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لازالت جارية".

انتقائية

بالنسبة لحاجي والفقيه القانوني فإن رئيس النيابة العامة يمارس انتقائية واضحة في تطبيق العدالة في المغرب، محيلا حاجي في هذا السياق على قضية الحقوقي إبراهيم سبع الليل الذي أدين بستة أشهر نافذة، يوم 10 يوليوز من سنة 2008، بناء على تصريحات أدلى بها خلال ندوة صحافية على خلفية أحداث سيدي إفني الواقعة خلال نفس السنة.

وتوبع سبع الليل بالمادة 42 من القانون الصحافة، وبالفصل 264 من القانون الجنائي، بتهمة التبليغ عن "وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها والتبليغ عن جريمة خيالية"، بعد أن صرح بسقوط قتلى في الأحداث المذكورة.

كما سبق وأن أدين مواطن من طرف الغرفة الجنحية الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بمكناس بأربعة أشهر حبسا نافذا، وغرامة مالية قدرها خمسمائة درهم، بعد مؤاخذته من أجل جنحة التبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها وتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية، مع الصائر والإجبار في الأدنى.

وكان المدان (ع.ش) قد تقدم أمام النيابة العامة بالمحكمة ذاتها وصرح بأن مفتش الشرطة المسمى (ي.ب)، التابع لفرقة محاربة المخدرات بولاية الأمن بمكناس، طلب منه مده بمبلغ ألفي درهم كرشوة مقابل تقديمه في حالة سراح من أجل جنحة الحيازة والاتجار في المادة اللاصقة (السيليسيون)، مضيفا أنه حدد موعدا مع المشتكى به لتمكينه من المبلغ المتفق عليه، حسب تصريحه.

كما يُستحضر في هذا السياق قضية ناشطي حركة 20 فبراير أسامة حسن ووفاء شرف، اللذين أدينا بخمس سنوات سجنا نافذا، حيث أدين أسامة بثلاث سنوات ووفاء بسنتين، بعد اتهامها بالوشاية الكاذبة والتبليغ عن جريمة يعلمان بعدم حدوثهما.

ويرى حاجي في علاقة النيابة العامة برئيس تحرير موقع "بديل" أكبر تجلي لانتهاج رئيسها مصطفى الرميد، لسياسة انتقائية وصفها بالخطيرة في تطبيق العدالة.

فقد استجابت النيابة العامة بسرعة قياسية لطلب ثلاث شكايات، قبل تحريك البحث مع رئيس تحرير "موقع "بديل. أنفو"؛ شكاية أولى يُقال إنها لرجل نافذ، وتهم تصريحات أدلى بها على شريط فيديو، البطل العالمي للهواة في رياضة "الكيك بوكسينك واللايت كونطاكت" زكرياء المومني، كان موقع "بديل" قد نشر بعض مقتطفاتها، دون الباقي بعد أن رأى فيها "سبا" في حق رموز سيادية في البلد، ورغم أن العديد من الجهات الإعلامية نشرت الشريط بما يتضمنه من تلك العبارات العنيفة فإن الموقع الوحيد الذي خضع للبحث هو "بديل" رغم اكتفائه بنقل ما بُثَّ على الشريط. ثم شكايتان لصالح وزير الداخلية، وتهمان قضيتين، الأولى تتعلق بالمهندس أحمد بنالصديق والثانية تهم ظروف وفاة الاتحادي أحمد الزايدي، علما أنه في القضية الأولى لم يكن هناك أي حقيقة قضائية أو خبرة طبية كما هو الحال مع وفاة عبد الله باها، بل إن موقع "بديل" بادر من تلقاء نفسه ونشر بيان الوكيل العام رغم انه لم يتوصل به، في حين أن البحث مع رئيس تحرير موقع "بديل" على خلفية قضية أحمد الزايدي، انصب على تدوينة على "الفايسبوك"، تتضمن شريطا منشورا على قطاع واسع في الصفحات الاجتماعية، أكثر من هذا فيها تحذير للجهات المسؤولة بضرورة اليقظة والحرص تجاه الأمور التي لها علاقة بأمن واستقرار المغاربة.