تنفيذا لأحكام الفصل 14 من دستور فاتح يوليوز 2011 الذي يعطي للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع أعدت الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان مشروع قانون تنظيمي رقم 64.14 يحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق الدستوري.

ويهدف مشروع هذا القانون كما جاء في مذكرة التقديم التي أرفقت به إلى وضع إطار قانوني مرجعي يحدد الشروط والكيفيات التي سيتم بموجبها تقديم ملتمسات تشريعية إلى البرلمان من قبل المواطنين والمواطنات الراغبين في ذلك.
كما ورد في نفس المذكرة أن إعداد هذا المشروع تم في إطار مقاربة تشاركية واسعة ساهمت فيها عدة فعاليات من مشارب مختلفة ... في إطار التزام الحكومة بتنفيذ أحكام الدستور استنادا إلى تجارب دولية ناجحة وإلى المنظومة الحقوقية الدولية ذات الصلة واعتمادا على المبادئ والقواعد المؤطرة للمنظومة القانونية الوطنية.

وتتوزع مقتضيات هذا المشروع إلى أربعة أبواب تتضمن التعريفات الأساسية المرتبطة بالملتمس كآلية من آليات الديمقراطية التشاركية التي تشرك المواطنين والمواطنات في مجال التشريع، وتخويل ممارسة هذا الحق للمواطنين والمواطنات المتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية والمقيدين في اللوائح الانتخابية العامة والذين هم في وضعية جبائية سليمة، وإحداث لجنة الملتمس التي تتولى جمع التوقيعات وتعيين ممثل قانوني لها لتتبع الجوانب الإجرائية لإيداعه لدى أحد مجلسي البرلمان بعد استيفائه للشروط القانونية، وتحديد موجبات عدم قبول الملتمس المتعلقة بعدم ثوابت الأمة ذات الصلة بالملكية والدين والوحدة الوطنية والخيار الديمقراطي للأمة والمكتسبات التي تم تحقيقها في مجال الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وبعدم تعارضها مع المواثيق والمعاهدات التي صادقت عليها المملكة أو انضمت إليها، وعدم اندراجها ضمن اختصاص المجلس الوزاري باستثناء تلك المتعلقة بالسياسة العامة للدولة، في إشارة للاختصاصات ذات الصلة بمجلس الحكومة.

ومن المقتضيات المثيرة التي نص عليها مشروع القانون التنظيمي ما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة العاشرة التي نصت على أن قرارات رفض الملتمسات من قبل مكتب المجلس الذي يبث فيها داخل أجل 60 يوما من تاريخ إيداعها، قرارات غير قابلة للطعن..كما وردت في المادة 7 مقتضيات غريبة عجيبة تتعلق بلائحة دعم الملتمس التي أوجب المشروع أن تكون موقعة من قبل 25000 مواطن أو مواطنة على الأقل ممن تتوفر فيهم الشروط المشار إليها في المادة 5 ويتعلق الأمر بإرفاق الملتمس بمذكرة تفصيلية توضح أسباب الملتمس والأهداف المتوخاة منه وملخص للاختيارات التي يتضمنها، ومصادقة السلطات على التوقيعات !!

قراءة مشروع القانون التنظيمي تصيب القارئ الذي يقتفي أثر التنزيل الديمقراطي للدستور بخيبة أمل كبيرة، وتدفعه إلى طرح أكثر من سؤال حول ماهية المقاربة التشاركية وطبيعة الفعاليات التي شاركت في إعداد هذا القانون من مختلف المشارب كما ورد في الورقة التقديمية للمشروع الذي تسعى من خلاله الحكومة إلى تنزيل الفصل 14 من الدستور؟
عندما يوجب مشروع القانون التنظيمي على المواطنين والمواطنات الراغبين في تقديم الملتمسات في مجال التشريع ضرورة التسجيل في القوائم الانتخابية فهذا الشرط ينطوي على إقصاء تعسفي لعدد كبير من المواطنين المغاربة الغير مسجلين في القوائم الانتخابية من ممارسة حقهم الدستوري في التشريع عن طريق الملتمسات.
الربط بين التسجيل في القوائم الانتخابية وحق المشاركة في التشريع من خلال الملتمسات كما ورد في الفصل 14 من الدستور له تفسير واحد، وهو أن واضع هذا المشروع، وضع هذا القيد لقطع الطريق على بعض الأطراف السياسية والمدنية والحقوقية والدينية للحيلولة دون ممارسة حقها الدستوري بطريقة تمس في العمق بجوهر الحقوق المدنية والسياسية وتسيء للخيار الديمقراطي كثابت دستوري !!!

مشروع قانون تنظيمي بمثل هذه المقتضيات الإقصائية والاستئصالية لا يمكن الاطمئنان إليه والقبول به مهما كانت مبررات واضع هذا المشروع في هذا السياق، لأن الربط بين التسجيل في اللوائح الانتخابية وحق الالتماس من أجل المساهمة في التشريع، ربط تعسفي محكوم بحسابات أمنية صرفة للحيلولة دون مساهمة فئات عريضة في المجتمع من ممارسة حقها الدستوري في التشريع من خلال الالتماس بغض النظر عن مواقفها من الدستور والانتخابات.

الحقوق الدستورية هي حقوق مكفولة للجميع ومن غير المقبول تقييد ممارستها بمقتضيات جائرة وماسة بحقوق الإنسان تحت أي مبرر كان. سواء تعلق الأمر بالتسجيل في القوائم الانتخابية أو بسلامة الوضعية الجبائية للمواطنين والمواطنات.

من جانب آخر، تنص المادة 5 على عدد من الشروط التي يتوجب أخدها بعين الاعتبار من طرف الراغبين في تقديم ملتمسات في مجال التشريع، من ضمنها إرفاق الملتمس بمذكرة تفصيلية توضح أسباب الملتمس والأهداف المتوخاة منه وملخص للاختيارات التي يتضمنها، وتصديق التوقيعات الـــ 25000 ألف لدى السلطات المحلية !

شروط من هذا القبيل تعني أن الدستور يتم تنزيله بطرق بشعة لا تمت بأي صلة للديمقراطية، وإلاّ، فما الذي يمكن للمغاربة الراغبين في المساهمة في التشريع من خلال الالتماس أن يستشفوه من خلال الشروط التي وضعت؟

تنزيل القوانين التنظيمية بهواجس أمنية مبالغ فيها مؤشر واضح على أن الفاعل الحزبي الذي يدبر اليوم الشأن العام في البلاد لا يتمتع بالقذر الكافي من الاستقلالية التي تسمح له بتنزيل الدستور تنزيلا ديمقراطيا، وما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة 10من مشروع القانون التنظيمي، والتي نصت على عدم إمكانية الطعن في قرار رفض الملتمس من طرف مكتب المجلس بعد البث فيه داخل الأجل، دليل قاطع على أن واضع مشروع هذا القانون، لا يريد للمواطنين والمواطنات أن يمارسوا حقهم الدستوري المنصوص عليه في الفصل 14 من الدستور.

أما المقتضيات الواردة في الفقرة الأولى من المادة 4 والتي توجب ألا يكون الملتمس مندرجا ضمن اختصاص المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك باستثناء تلك المتعلقة بالسياسات العمومية، فأترك للحقوقيين والدستوريين حق التعقيب عليها..