أسوأ اللحظات التي يمكن أن يعيشها الإنسان، هي تلك التي يكون خلالها أمام اختيارات يدرك بالحدس أو التجربة أو المنطق أنها تؤدي جميعها إلى الطريق المسدود أو إلى اللاطريق على الأرجح. وقديما أجاب الشاعر أبو فراس الحمداني أصحابه الذين خيروه بين الفرار من ساحة المعركة أو الموت بأنه أمام أمرين،" أحلاهما مر"... أما حين يتحول الإحباط الناتج عن هذا الوضع إلى حالة عامة ومشتركة، تصبح تداعيات انحسار فرص اتخاذ القرار المناسب أكثر خطورة، لأن مثل هذه الحالة ترهن مصير المجتمع بأكمله، ولا تتعلق بشخص واحد فقد البوصلة في منعطف ما من منعطفات الحياة.
في غمرة السباق المحموم إلى خط السابع من أكتوبر، يبدو تعبير أبي فراس ذا دلالة قوية في المشهد المغربي اليوم، فقد بات واضحا أن اللاعبين الأساسيين في الساحة هما الباموالبيجيدي، وفي الحالتين معا يتعلق الأمر بمشروعين استبداديين بوسائل ومواقف وشعارات مختلفة... أما أغلب التشكيلات الحزبية الأخرى فتكتفي بشعار:( المهم هو المشاركة)، بينما ينتظر بعضها الموعد الإنتخابيللقيامبدور الكومبارس الحزبي الذي يطلب عند الحاجة- سواء فاز هذا الطرف أو ذاك - لاستكمال العدد والمشاركة في تحالفات العبث واللامعقول التي ستفرز حكومة المرحلة المقبلة.
لقد عشنا طيلة السنوات الخمس الأخيرة على وقع خطاب سياسي بلغ درجة كبيرة من التدني والإنحطاطوالإنتهازية، وقد ساهم الإقبال الكثيف على مواقع التواصل الإجتماعي في فضح هذا الخطاب وجعله مادة للتناول في المنتديات العامة والخاصة لدى المغاربة الذين اتخذوا منه مجالا للسخرية والتنذر حينا، ومناسبة للخوف والتحسرحينا آخر... هذا الخطاب كان نتيجة طبيعية لحالة الإستقطاب الحادة التي ميزت العلاقة الصراعية بين أكبر حزبين سياسيين في المغرب خلال هذه المرحلة. وإذا كان الصراعالإنتخابي أمرا محمودا ومعمولا به في كل الدول التي تحتكم إلى صناديق الإقتراع، فإن الأعراف والتقاليد الديموقراطية تفرض قواعد وضوابط أخلاقية محددة تحول التنافس الحزبي إلى حوار بين البرامج والمشاريع السياسية والإقتصاديةوالإجتماعية، وذلك حتى يتمكن المواطن من الإختيار بعيدا عن التضليل والتهريج والوعود الزائفة.
إن استمرار حالة العبث والإستخفاف بالمغاربة الذين يراد لهم أن يكونوا مجرد أرقام إنتخابية تمنح مشروعية شعبية مزعومة لحزب على حساب آخر، يفرض علينا الخوف من المستقبل، لأنه يبدو جليا أن الغائب الأكبر في المشهد الإنتخابي ككل مرة هو مصلحة المغرب والمغاربة. لكن الخطر يصبح أكثر حدة عندما يثير الأداء والموقف الحكوميمزيدا من الشكوكويغذيها. فهل من المقبول أن يتحدث من يفترض فيه أن يكون مسؤولا رئيسيا في الإشراف على الإنتخابات بالطريقة التي تكلم بها وزير العدل والحريات عندما قال إنه لا يستشار ولا يقرر في انتخابات 7 أكتوبر؟. وهل يقدم رد وزير الداخلية في الموضوع ما يشفي غليل المغاربة ويطمئنهم؟. ثم ما موقف رئيس الحكومة الذي ينبغي له التدخل للفصل في هذا الخلاف المعلن بين مكونين أساسيين في حكومته؟. وما دلالة المسيرة العبثية التي عرفتها الدار البيضاء يوم الأحد 18 شتنبر؟ من يقف وراءها؟. وكيف يتم السماح لمسيرة بدا أنها كانت تسعى للفتنة بين المغاربة تحت مسمى لا معنى له أصلا في الراهن المغربي؟.
هي أسئلة كثيرة، كان بالإمكان أن لا تطرح في هذه المرحلة لو أننا نجحنا في نقل التجربة المغربية إلى السياق الديموقراطي الحقيقي الذي ننشده جميعا. أما وقد اختار وزير العدل والحريات أن يبث شكواه عبر تدوينةفيسبوكية، فذلك دليل على توسل البيجيديين بخطاب المظلومية الذي يدغدغ العواطف ويتسول التعاطف. وذلك سلوك انتهازي مفضوح تعودنا عليه طيلة المرحلة السابقة التي أفرزتها انتخابات 2011. وأما جواب وزير الداخلية بشأن المسيرة العجيبة فقد بدا واضحا أنه كان مهتما بتبرئة ذمة وزارته، لكنه لم يقدم توضيحا ملموسا في ما يتعلق بعدم تدخل الوزارة لمنع تلك التظاهرة، فقد جاء في البيان:" ... فتم الوصول إلى قرار بعدم الترخيص للتظاهرة، باعتبار وزارة الداخلية لم تتوصل بأي طلب يهم ذلك، وكذا بعدم منعها، لما يتطلبه ذلك من توفير حزمة إمكانيات أمنية للتصدي، وهو ما لم نرغب في اللجوء إليه.". وهذه الإجابة تحتاج إلى توضيح، لأن الأطراف المنظمة للمسيرة خرقت القانون أصلا عندما لم تباشر القيامبإجراءات الترخيص المعمول بها في مثل هذه الخرجات. وهذا لوحده سبب كاف لمنعها، كما منعت كثير من التظاهرات قبلها لنفس السبب أو لاسباب أخرى... وبما أن الداخلية هي التي تسهر على أمن المغاربة، فقد كان من الضروري التصدي لمثل هذه السلوكات التي تهدد النسيج المجتمعي في هذه المرحلة الحساسة.
ما أحوجنا اليوم إلى مسيرة من أجل المغرب، ومن أجل مستقبل أبنائنا الذين نحلم لهم جميعا بتعليم جيد، لكن مدرستنا لا تقدم لهم هذه الجودة المنشودة، بل تزداد ترديا سنة بعد آخرى ويوما بعد آخر. مسيرة من أجل مستشفيات توفر الشروط الضرورية والوسائل المادية للتطبيب والتمريض واحترام آدمية المغاربة. مسيرة من أجل توفير فرص الشغل ومحاربة البطالة وتوفير السكن اللائق، ومعها أبسط مستلزمات الحياة الكريمة لأبناء هذا الشعب من المستضعفين والبسطاء... وتلك هي الملفات الكبرى التي ينبغي أن تتنافس حولها هذه الأحزاب وتقدم برامج وإجابات وتدابير وإجراءات دقيقة وصادقة ومحسوبة بشأنها. وأية مسيرة تنشد أهدافا غير هذه، فهي ليست موجهة للمغاربة، ولا تسهم إلا في مزيد من النفور من السياسة والسياسيين. لذلك لا ينبغي السقوط في فخ المتربصين بالبلد تحت أي مسمى من المسميات. وعلى النخب السياسية أن تعيد النظر بشكل جذري في خطابها وسلوكها، حتى ينقشع ضباب إحباط وحيرة أبي فراس.