إن يوم 13 مارس 2016، كان يوما مشهودا في التاريخ المغربي، وسيظل خالدا في ذاكرة الكفاح الوطني، ينير للأجيال درب التشبث بالقيم الوطنية، وفي قائمتها التمسك بالوحدة الترابية للبلاد، والتفاني في استكمال التحرير الكامل والشامل للأقاليم الجنوبية للوطن.
ما بين يوم وليلة، بعد المساس بالشرف الوطني للمغاربة، ووصم تحريرهم للصحراء بالاحتلال، من طرف من استأمنه المنتظم الأممي على رمزية الأمم المتحدة، يهب هؤلاء المغاربة من كل فج عميق، من كل أنحاء البلاد، ليزمجروا بالغضب ضد التطاول على قداسة القضية الوطنية الأولى، مغربية الصحراء، والتحامها بالوطن الأم، واستكمال بناءها وتنميتها. وليقولوا للعالم أجمع، أنهم مثل ما عهده العالم في أجدادهم ، لا ينامون على الضيم، وليسيروا ثلاثة ملايين نفرا، بنسائهم وأطفالهم، في شوارع العاصمة، بخطى ثابتة واحدة، وهتاف صادع موحد.
في الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، مسيرة التحرير المظفرة، للساقية الحمراء ووادي الذهب، أعلن الملك محمد السادس الحسم النهائي لقضية الصحراء، والقطع الحازم مع السيادة الثابتة للمغرب على أرضه كل أرضه، في أقاليمه الجنوبية، المحررة، أربعين سنة، من الاحتلال الإسباني، أعلن ذلك من خلال انتقاله وأركان الدولة والحكم والجيش،إلى قلب الصحراء الحرة المحررة، لإصدار قرارات سيادية عليا،تهم السياسة العليا للبلاد، وترمز إلى سيادة المملكة فوق ترابها الوطني الشامل، وإلى أن المملكة وحدة لا تتجزأ، يستوي فيها شمالها وجنوبها، أستواأ يبدد كل المكائد والأوهام والمؤامرات.
إن الملك محمد السادس وهو يبسط سيادة المملكة فوق كل التراب الوطني، وعلى امتداد حوزة البلاد، بأقاليمها الجنوبية، وبالطريقة التي أحيا بها الذكرى الأربعين لاسترجاع وتحرير الصحراء من الغصب والاحتلال، إنما يعطي المثال الصلب والصارم والشجاع في مواجهة وتحدي المؤامرات التي تحاك ضد وحدة البلاد، والتي تستقي سمومها من بالوعة التقاليد الاستعمارية البائدة، تلك التقاليد التي لا تنظر بعين الرضا إلى أجواء الاستقرار والوحدة والرغد، إذا ما خيمت على وطن من أوطان العالم العربي والإسلامي.
وإن الملك محمد السادس وبالموقف الصلب والصارم والشجاع، بإعلان وترسيخ الواقع المهيمن للمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، إنما يحيي سيرة وبطولة الملك محمد الخامس عندما كان يواجه دهاقنة الاستعمار الفرنسي دون وجل ولا وهن ولا تردد بالموقف الشجاع دفاعا عن استقلا ل البلاد،وكفاحا من أجل انعتاق الشعب، في تلك الذكرى الخالدة، لملحمة 20 غشت 1953، ذكرى اندلاع ثورة الملك والشعب.
وإن الملك محمد السادس بالموقف ذاته، يحيي عبقرية الملك الحسن الثاني وتصميمه الفولاذي على تحرير الصحراء المغتصبة، وقيادة المسيرة الخضراء، في اليوم التاريخي الماجد، 6 نوفمبر 1975، والذي جابه فيه الملك والشعب كل المخاوف والمخاطر والتحديات، وواجه فيه غطرسة المحتل الاسباني، وعنجهية جيشه الاستعماري.
وإن الشعب المغربي والذي خرجت طلائعه وجماهيره غاضبة يوم 13 مارس، في المظاهرة المليونية، التي ضاقت بها شوارع الرباط بما رحبت ،والتي تصدرها الشباب الذين كانوا في أصلاب أباءهم، قبل أربعين سنة من تاريخ تحرير الصحراء، هو عينه الشعب المغربي الأبي الذي تزاحم أبناؤه لتلبية نداء الوطن حين أذن فيهم الملك الحسن الثاني بالمسير نحو تحرير الأرض التي بوأت التاريخ المغربي مبوأ السؤدد والسمو، حينما كان المغرب يحكم أرجاء العالم المعمور، بعدله وفتوحاته، وبهيبته وبأس جيشه القادم قادته الملثمون، من كثبان الرمال المتماوجة، لتلك الصحراء المباركة، زمن أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين، سليل عهد دولة المرابطين.
وهو ذات الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه يفدي ملكه من الغدر والأسر والإبعاد، ليلة الموقف الأسطوري للسلطان محمد الخامس، 20 غشت 1953، الذي أعلن فيه عدم التخلي عن الشعب وعن كفاحه من أجل الاستقلال، فتحول الشعب إلى أمواج من الفداء والاستشهاد، وفاضت السجون والمعتقلات والمعسكرات، وتعطرت الربى والوهاد بدماء الشهداء، وزلزلت الأرض بالهدير المدوي، المغرب إلى حريته، والملك إلى عرشه.
وإن التاريخ والواقع يثبتان بأن اليوم شبيه بالبارحة، كلما تعلق الأمر بالشعور الوطني وبالعقيدة الوطنية، وإنه بالرغم من سيول المؤامرات والمخططات ومن مكر الليل والنهار الذي لا يهدأ ولا يلين، والذي يستهدف سلخ المغاربة عن هويتهم الوطنية،وطمس ذاكرتهم عن قيمهم وعن ثوابت تاريخهم، فإن حماسة الشعب الوطنية لازالت مشبوبة لا تخبو، ومدرارة لا تنضب، وإنه بالرغم من هنات السياسة، وإكراهات المعاش اليومي، وسخط التدافع من أجل الكرامة والعدالة، فإن الشعب يترك ذلك ظهريا، ويصطف صفا مرصوصا، كلما تعرض الوطن للامتحان، وكلما دعا الموقف إلى شجاعة الملك، كانت عظمة الشعب حاضرة قائمة.
بقلم.ذ/عبدالله لعماري. عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة.