إذا كان الناس "لا يعرفون" تحديدا من قام بتنظيم مسيرة الدار البيضاء ضدّ حزب "العدالة والتنمية" في ظرفية يطبعها الاستعداد لاستحقاقات 7 أكتوبر، فإننا متأكدون من أن هذه الجهة تتصف بقدر من الغباء جعلها تحقق مباشرة عكس ما ترمي إليه.

فمن الناحية السياسية يعتبر حزب العدالة والتنمية الذي ترأس الحكومة المنتهية ولايتها في وضعية صعبة، بعد ولاية حافلة بضروب الفشل وبالقرارات اللاشعبية التي جعلت الناس يتنبهون بمختلف فئاتهم إلى خطورة السياسات المتتبعة على أوضاعهم المادية المباشرة، فمن الزيادة في الأسعار والضرائب إلى رفع المديونية الخارجية بشكل مهول إلى ضرب صندوق المقاصة إلى قانون التقاعد إلى التراجع عن حق الإضراب والاقتطاع من أجور المضربين، ثم إلى نكث الوعود في تشغيل العاطلين والعبث بمكتسبات الأساتذة المتدربين وموظفي قطاع الصحة وإفشال الحوار الاجتماعي وإصدار قوانين منافية للدستور تلتف على المطالب المشروعة لمختلف المتضررين من الميز والعنف الرمزي والمادي كالنساء والأمازيغ والأطفال والمعاقين، ثم إلى انتهاك الحريات الفردية والعامة بحظر الأنشطة الاحتجاجية وتدخل القوات العمومية ضدّ التجمعات الهادفة إلى التعبير عن الرأي والموقف السياسي أو عن هذا المطلب الاجتماعي أو ذاك، دون أن ننسى التمويل المشبوه لجمعيات مدنية لا علاقة لها بمنطق المجتمع المدني المعهود، بغرض ضرب الوعي الديمقراطي داخل الأسر والمؤسسات التعليمية وإشاعة ثقافة اللاتسامح والعنف في الشارع سعيا نحو احتكار الفضاء العام...

باختصار يمكن القول بدون تحفظ إنه ليست هناك فئة أو جهة لم تلهبها سياط حكومة السيد بنكيران، الذي قرر في النهاية وبعد أن وجد نفسه على مقربة من محاسبة عسيرة، العودة إلى لعبته المعهودة في كل حملة انتخابية: لعب دور الضحية والبكاء بسبب "التحكم" و"التماسيح" ومحاولة إبعاد الأنظار عن حصيلة العمل الحكومي، وعن مسؤوليته ومسؤولية حزبه عنها.

والحقيقة أن جميع القرارات اللاشعبية التي اتخذها بنكيران دافع عنها باستماتة وبصوت عال، ولم يقل أبدا إنها فرضت عليه، وإن كنا نعلم أنها في الحقيقة قرارات اتخذت بإملاء من المؤسسات المالية الدولية التي خضع لها بنكيران كما يخضع العبيد والخدام المطيعون.

بعد هذا كله تأتي بقدرة قادر مسيرة نظمت في 24 ساعة بالدار البيضاء، بطريقة أشبه بما يحدث في أفلام الرسوم المتحركة، لتنبيه الناس إلى "أخونة المجتمع" وإلى الخطر الذي يمثله بنكيران وحزبه، راصدا لذلك ميزانية لا بأس بها، تمّ اعتمادا عليها نقل الناس البسطاء من مختلف مدُن المغرب إلى الدار البيضاء. وما آلمنا أننا في المجتمع المدني الحامل لهموم الوطن المتعثر، لا نكاد نجد معينا لنا في معاركنا اليومية من أجل الحقوق الأكثر بداهة، حيث إما أن تمنعنا السلطة أو يشتمنا رئيس الحكومة وأعوانه، أو نجد أنفسنا بدون إمكانيات مادية لتنظيم تظاهراتنا التي لا نسعى من ورائها لا إلى الكراسي ولا إلى مناصب الترؤس، بل فقط إلى بعض من كرامة تشعرنا في أضعف الإيمان بآدميتنا.

أتوقع بعد هذه المسيرة الكارثية أن يتوجه الاهتمام نحو البحث عن القوى الشبحية التي نظمت مسيرة للتآمر ضد بنكيران وحزبه، وهل يحتاج بنكيران وحزبه إلى من يتآمر ضدّهما بعد كل الذي فعلاه ؟

على القوى الديمقراطية الوطنية أن تعيد النقاش إلى صميم الموضوع، من المسؤول عن تردي جميع أوضاعنا حتى صار بلدنا على فوهة بركان ؟ إذا لم يكن الذي قام بتدبير الشأن العام من موقع الحكومة مسؤولا فلماذا يدافع عن "الإصلاحات" التي حققها ويؤكد أنه سيستمر فيها في حالة انتخابه ؟ (وهي "إصلاحات" لم تكن في حقيقتها سوى تسويات للأزمة المالية للدولة على حساب الفئات الهشة والمستضعفين والطبقة الوسطى).

لقد سمعنا السيد الرميد وزير العدل والحريات يقول إنه لا يستشار وأنه لن يكون مسؤولا عن أية انتهاكات تحدث في الانتخابات، نقول للسيد الوزير: سوف نصدقك إذا قدمت استقالتك ، أما إذا بقيت متمسكا بمقعدك بأياد مرتعشة فأنت مسؤول تزكي كل ما يقع، وسوف تطأطئ الرأس من جديد في حالة فوز حزبك لتقول للمغاربة إننا قد حققنا ثورة هادئة وأننا نسير في الاتجاه الصحيح، وهو ما قاله زعيمك سنة 2011 ، والجميع اليوم ينعم بثمرات "الثورة" التي تزكونها.

إن المصداقية ليست في القدرة على المناورة والمراوغة والتحذلق في العبارات للحفاظ على بعض المصالح الصغيرة، بل هي في أن يتحلى المرء بالشجاعة الكافية لكي يقول كلمة حق دون الحسابات الضيقة للربح والخسارة.