كما يحيل العنوان الى اذهاننا التي ارهقها التأمل، فالسياسة علم قائم بحد ذاته، لكن وكغيره من المفاهيم وميادين الاشتغال، يشوبه الخلل في بعض المناطق التي اثقل كاهلها "الجهل"، فيكون الناتج: مستنقعا سياسيا بكل ابعاد هذا المفهوم. ولعل في بلداننا العربية على وجه الخصوص، تجد هذه المستنقعات السياسية ملاذا تكرس نهجه طفيليات في منابر السلطة، وبعد ان كانت ترتوي من مبادئ وافكار منهلها شارع الوطن، واحتياجات المواطن البسيط، وفقير افنى العمر لاجل قطعة خبز.. يعتلي منبر السلطة ويرتدي قناعا كمن سبقوه.. هكذا رجال السلطة اليوم، ان لم يكن كلهم، فغالبيتهم تتبع هذا المسار.

اما ذاك المواطن الذي كسر كاهله، سعيا منه لتوفير الظروف المعيشية البسيطة، دون اهتمام بما يخرج عن هذه الدائرة، او الذي ادرك علما لكن الجهل ظل رفيقه... فانهم جميعا يرون السياسة بحر خداع وترسانة بلا اخلاق، والف خط بالاحمر العريض تحت الكلمة الاخيرة، وامام هذا الادعاء يقف رجل السياسة ووجهه يحيل الى اللامبالاة، فلما الشوشرة ولا يمسه الادعاء؟! يدع السفينة لن نقول تبحر بل تهوي بثقوبها وعيوبها نحو الهلاك.
فمنذ متى كان مفهوم السياسة عاقلا يحدد مسارا، ومنذ متى خولت لنا ادمغتنا محاكمة الحصان ونحن بلا فرسان؟! السياسة يا سادة مجال متحكم فيه لا يحكم، والسياسيون هم مالكوا السلطة في بلداننا، وهم من يتولون مهمة التسيير، السياسة ليس بوسعها تحديد مسار حتى ترسمه بلا اخلاق، وتتحول الى مستنقع فساد، وبؤرة ظلم واستبداد، ما لم يتولى أوباش السلطة هذا الامر، فهم من صنعوا اللعبة وتولوا تدمير قيمها..
ومع هذا التحريف لمفهوم السياسة وتقزيم مجالها نحو المصالح الذاتية، اصبح الكل ضمن المستنقع، ولعل خير مثال نقدمه في هذا الصدد، صورة غالبية الاحزاب السياسية في المملكة المغربية، حيث اصبحت مجرد دمى تشخص لنا لعبة سياسية بطابع من التشويق، وكأنك تشاهد فيلما امريكيا من عالم الإثارة! ولعل اشهر عنصر للتشويق ذاك الذي يزعم بان "كل الاعداء اصدقاء وكل الاصدقاء اعداء"، ففي مستنقع السياسة فقط، يندثر مفهوم الوفاء، ومنذ اول اعتلاء للسلطة في مستنقعات سياسية ترمى المصالح العامة من النافذة ويتم استقبال المصالح الشخصية من اوسع الابواب، ويكون ذاك اول بند ترسخه سذاجة شعب في حضرة مستنقع لا يدرك القيم..
ومن رؤوس السلطة من دخل وقيمه ومبادئه.. تعتلي محياه بتفاؤل، ليضع القدم الاولى ويلامس اطراف اللعبة، وتحت ضغط الضرورة يصبح محنكا في تحريك خيوطها باحتراف، وقد تشبع من اوساخ المستنقع.
في مستنقعاتهم يغيب الصدق ويحرف الكلم عن موضعه، في مستنقعاتهم يجسدون حربا على اعصاب المواطن وغدا يعلنونها صفقة مصالحة تلغي كل الحروب الوهمية بينهم، في مستنقعاتهم التحالفات كعرض دمى يكرس غباء المواطنين والمواطنات، في مستنقعاتهم يصافحون الديوث ومبادئهم تشهد انهم البارحة اول من اطلق عليه الهجمات...!
فلا تحرفوا المفاهيم ايها الساسة، لان الذكاء لا يعني في عالم السياسة الاحتيال، والدهاء ليس مكرا وخداعا يستهدف عقول المواطنين والموطنات على حد سواء، والصدق ان اقترن بها يعطينا الشفافية والنزاهة والمصداقية، المفاهيم التي روجتم بها لسلعكم والحقيقة نسجها السراب. فنحن لا نتحدث وكاننا نرسخ المدينة الفاضلة، ولعل من يراقب الاحداث اليوم، سيجد في التجربة الأرجنتينية خير شاهد على ما نقول، حيث الديمقراطية ظهرت جليا حين انحنى الكل لسمو القانون، في مستنقعاتنا نستولي على المناصب ونطابق القانون وفق مبدأ الخلود، اما لديهم فالقانون هو القانون، ولا سلطة تعلو سموه، فتجد الرئيسة السابقة كريستينا فرناندير تتنحى جانبا بعد ان استوفت ولايتين كما خول لها القانون الارجنتيني، لكن وقبل هذا التنحي اسرت قلوب مواطنيها ومواطناتها، هنا السياسة بكل قيمها، بعيدا عن اللا أخلاق ومستنقعاتها، هذه السيدة مارست السياسة كما خلق لهذا المفهوم ان يكون، فصدقت في دورها وكان المشهد الأخير لوحة ادمع لصدقها جوهر القلوب.
فاذا كرست اقلامنا من هذا المنبر بوحنا واعلنته مقالا يعبر عن افكارنا، فقد جاء وفق غيرتنا على هذا الوطن من موريتانيا الى اقصى الخليج، وتعديلا لبعض المغالطات الرائجة، لان فكرة العداء والنفور المنتشرة اليوم بين المواطنين (وخصوصا الشباب منهم) والسياسة، يحتم علينا اقامة وقفة تهدف الى ارساء الحق واستئصال كل الشوائب التي تخيم على شق الممارسة السياسية. لاننا نؤمن بان السياسة لا تصنعنا، وانما نحن نصنع السياسة.
*باحثة في التذبير العمومي والتمنية المجالية