عبد الغني الخنوسي

حاولت أنظمة الاستبداد جاهدة أن تخلق جبهة مخترقة بلبوس الوطنية من أجل الترويج لتوافق هجين يخدم بالضرورة مشروعها السلطوي التحكمي، مستعملة كل شعارات الابتزاز العاطفي من قبيل "المصلحة العليا للوطن " و" "الإصلاح في إطار الاستقرار" ...

يقول د. جين شارب " لا يزال الماضي لسوء الحظ يعشش بيننا، حيث تعتبر مشكلة الأنظمة الدكتاتورية مشكلة عويصة. هنالك العديد من الشعوب التي تعيش تحت القمع المحلي أو الأجنبي منذ عشرات بل مئات السنين. وغالبا ما يكون الخنوع إلى رموز السلطة والحكام دون مسائلة قد غرس في الذهن...
تكون النتيجة بطبيعة الحال متوقعة حيث يصبح المواطنون ضعفاء لا حول لهم ولا قوة وتنقصهم الثقة بالنفس وغير قادرين على المقاومة، وغالبا ما يخافون الحديث عن مدى كرههم للنظام الدكتاتوري وحلمهم بالحرية حتى مع عائلاتهم وأصدقاءهم، حتى أن الرعب يدب في قلوبهم إن فكروا جديا بالمقاومة، وفي النهاية تجدهم يعانون دون سبب ويواجهون مستقبلا بلا أمل." من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.

صحيح أن رسائل التيئيس دبت إلى الشعوب بحكم الثورة المضادة التي تحاول إجهاض حركة ربيع التغيير لإرجاع عقارب الساعة إلى زمن الطغيان والاستبداد، لكن من يحلل الواقع بنظرة استراتيجية استشرافية ستلوح له في الأفق حمائم الحرية والكرامة ، أما من كان دليله البوم سيسكن الخراب كما يقول المثل.
إن المتتبع للحالة السياسية الراهنة يدرك حتما أننا إزاء شبه إجماع على خيار الممانعة الذي بدأ يقوي جبهة التغيير والذي يساهم يوما بعد آخر في زعزعة منظومة الشرعيات الزائفة للأنظمة المستبدة.

ما نراه اليوم من حوارات تواصلية تقاربية بين الإسلاميين واليساريين وفضلاء البلد وحصول مراجعات مهمة في محددات العلاقة بينهم، رغم حجم الخلافات والصراعات التاريخية، سيقوي حتما مشروع الاصطفاف الوطني دعما لمسار التغيير الديمقراطي.
يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: "حينئذ سينتهي السجال بين الإسلاميين و اللائيكيين عندما يصل الجميع إلى الباب المسدود، ويفقد كل طرف المبرر السهل الذي كان يشهره حجة دامغة في وجه خصمه، ليلتقي الإسلامي الذي كان البارحة يصب اللعنة على الآخرين بمثقَّفِ المجتمع المدني في ورشة العمل، وليضطرا إلى التخلي عن أحكامهما الجاهزة، حتى تتضح القيمة الحقيقية لكل واحد منهما.

نتمنى هذا اللقاء بكل صدق، ونعتبره نتيجة ضرورية للحركية التاريخية.

... هؤلاء السادة المسترخون على أرائكهم، المستسلمون لصفعات السنين، الممتلئون زهوا، هؤلاء المسؤولون عن النزيف الذي يمتص دماءنا لابد أن ينصرفوا لكي يتغير المجتمع." الإسلام والحداثة.
لقد أصبح من المسلمات أنه في كل مرة حين تدخل الهيآت السياسية في مسار ترجمة تقارب وتواصل تأسيسي لجبهة مناهضي الاستبداد، استشرافا لغد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إلا وتدخلت آلة الاستبداد للحيلولة دون حصول ذلك لأن مصالح المستبدين تتعارض بالسليقة مع المصلحة العامة للوطن.
فلطالما استغلت أجهزة المخابرات العداء التاريخي المصطنع بين مكونات الوطن الواحد لتؤجج التطاحن والانقسام لتضعف بعضها البعض ضمانا لاستمرارية مشروع الاستبداد.
من آكد الأولويات الراهنة، السعي نحو المزيد من تقريب الرؤى حول قضايا التغيير، الأمر يتطلب دفن كل أحقاد الماضي التي تغذيها دسائس الأنظمة المستبدة، التي تروج لأكذوبة استحالة التوافق والعمل المشترك .

فلقد أثبتت أحداث الربيع أن التجاذبات الإيديولوجية ونوايا الإقصاء أو الاستئصال وحملات التشكيك والاتهامات الجزافية والشعارات العدائية والحسابات الضيقة لا يمكن إلا أن تعطل مسار التغيير وتمكن للردة السلطوية.

ينبغي الإعداد المحكم لمشروع التغيير، وذلك يستلزم توافر شرطين أساسيين:
الأول هو إرادة حقيقية للتغيير بنفس تشاركي، تتوقع المستقبل وتستعد لكل احتمالاته وبدائله.
والشرط الثانى يتمثل في التعبئة الشعبية الكاملة لتحقيق التغيير.

لذا فالجهود ينبغي أن تنكب على رفع منسوب الوعي السياسي وتصحيح الثقافة الشعبية السلبية تجاه العمل السياسي، عبر المزيد من التأطير والمصاحبة والدفاع عن حقوق الجماهير الشعبية.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: "إن مبادرات التغيير التي تتخذها القيادة تبقى مولودا ميتا، أو تعيش كائنا هزيلا، إن اصطدت بأرضية الخمول، ووُكِلَ تنفيذها "للروتين" الإداري، ولم يَتَبَنَّها الشعب "إمامة الأمة.

أما فيما يخص فزاعة تحكم المنتظم الدولي، فما تحصل من تجارب دولية فيما يخص التحول الديمقراطي أثبت أن التحالفات الدولية التي تقوم عادة على منطق الاحتواء والتحكم، تحولت تحت ضغط موجات الرفض الشعبي إلى منطق تأمين المصالح حتى لو استدعى الأمر التضحية بأنظمة كانت إلى عهد قريب ضامنة لاستقرارها.
نختم هذا المقال بمقتطف من فقرة "سبب للأمل" من كتاب " من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" :

" قد يجبر قادة المعارضة على التفاوض انطلاقا من شعورهم باليأس من النضال الديمقراطي، على أي حال، يمكن تغيير الشعور بالضعف. فالأنظمة الدكتاتورية لن تستمر إلى الأبد ولن تبقى الشعوب الرازحة تحت نير هذه الأنظمة ضعيفة ولن يسمح للحكام الدكتاتوريين أن يحتفظوا بقوتهم إلى ما لا نهاية. قال أرسطو منذ زمن بعيد: "تعمر أنظمة حكم الأقلية والأنظمة الاستبدادية فترات أقل من غيرها من الأنظمة الأخرى ... فالاستبداد قليلا ما يعمر"