"الإصلاح" هو العنوان الكبير الذي اتخذه بنكيران هدفا وبرنامجا. وهو السيف الذي يرفعه في وجه كل من خالفه. فمن لم يدعمه فهو "انتظاري" و"عدمي" ينتظر أن يؤتي الإصلاح ثماره ليقطفها سهلة هنية. ومن انتقده فهو "مشوش" على الإصلاح. ومن عارضه فهو "عدو للإصلاح". كل ما أخبرنا به بنكيران أنه مع "الإرادة الملكية السامية في الإصلاح". ولم يكلف نفسه يوما أن يحدث الشعب عن تعريفه للإصلاح وبرنامجه التفصيلي للإصلاح. ولا عن مراحل الإصلاح ومقدماته ومستلزماته ولا عن كيفية تنزيله. فلنا الحق إذن أن نتصور أننا قيد "إصلاح" سيأتي من باب الحتمية أو الاقتضاء "الفيزيائي" العلمي لمجرد أن هناك "خبيرا وعالما" بـ"معادلة الإصلاح" يترأس "مختبر" الحكومة ويسهر على "دمج مكونات الخلطة السحرية" الإصلاحية. فما علينا سوى "أن نهدأ" و"نطمئن" و"نثق" في "خبير الإصلاح" وّنصبر" و"ننتظر" تفاعل مكونات "الخلطة الإصلاحية" لنستفيق يوما وقد أصبح الإصلاح واقعا ملموسا مشهودا.
فما دام منهج بنكيران الإصلاحي غير واضح من خلال البرنامج السياسي لحزب العدالة والتنمية ولا من خلال التصريح الحكومي الذي كان استنساخا شبه كامل لتصريحات حكومية سابقة فإنه لا سبيل لتوضيح هذا الغموض في المنهجية الإصلاحية لبنكيران إلا عبر التدقيق في الإجراءات الحكومية التي يتخذها بنكيران من خلال تتبع كلمة "الإصلاح" في خطاب الحكومة وقراراتها.
نجد في مقدمة تلك الإجراءات التي قدمها بنكيران تحت مسمى "الإصلاح" إلغاء الدعم عن البنزين والكازوال واعتماد نظام المقايسة بدلا عنه.
في تقريره السنوي لسنة 2013، نشر المجلس الأعلى للحسابات "تقييما لمنظومة المقاصة بالمغرب" استجابة لطلب كان قد تقدم به رئيس مجلس النواب. وفي معرض هذا التقييم، أثار تقرير المجلس الأعلى "خللين" متعلقين بتدبير تسعير البنزين والكازوال بالمغرب وفقا لنظام المقايسة وبمآل ما ستوفره الحكومة من مال من خلال هذا التدبير. المثير للانتباه والتساؤل، وربما الريبة، أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لم يتوقف مطولا عند هذين "الخللين" ، ربما بسبب حساسيتهما الكبيرة.
فكما هو معلوم، وفي سياق مراجعتها لسياسة الدعم للمحروقات، استأنفت الحكومة الحالية العمل بنظام المقايسة من أجل تحديد أسعار المحروقات. ويرتكز هذا النظام على فكرة إلغاء الدعم وإخضاع الأسعار المعمول بها داخليا لأسعار هذه المواد في السوق العالمية.
ومن أجل تحديد تلك الأسعار، تعتمد الحكومة أسعار البنزين والكازوال في سوق روتردام الدولي كأساس لتسعير هاتين المادتين في المغرب. غير أن أسعار البنزين والكازوال في سوق روتردام هي أسعار البنزين والكازوال الذي يحتوي على 10 أجزاء من المليون 10 ppm من الكبريت في كل لتر وهو صنف أغلى ثمنا وأجود نوعية من البنزين والكازوال اللذان يحتويان على 50 جزءا من المليون 50 ppm من الكبريت في اللتر واللذان يتم تسويقهما في المغرب.
والمثير فيما ذكره تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن الحكومة تعتمد في تحديد أسعار مادتي البنزين والكازوال سعر الصنف الأغلى والأجود أي الذي يحتوي على 10 ppm من الكبريت في كل لتر مع علمها أن البنزين والكازوال المسوق في السوق الداخلية المغربية هما من النوع الرديء والأرخص. مما يتسبب في ارتفاع أسعار هاذين المنتجين حيث تدفع الأسر ثمن ذلك الفارق سواء عند الاستهلاك المباشر أو في انعكاساته على أسعار النقل وباقي المواد الأساسية بينما يصبح ذلك الفارق المذكور أرباحا غير مستحقة للشركات المسوقة.
في دعايتها المتكررة لنموذجها في "إصلاح" صندوق المقاصة، تزعم الحكومة بأن الوازع والهدف من هذا الإصلاح هو إنهاء الاختلال المتمثل في كون المستفيد من الدعم هو الأغنياء وان الفقراء لا يستفيدون سوى من الفتات. وبغض النظر عن دقة هذه المزاعم، فان ما كشف عنه تقرير المجلس هو أن تدبير أسعار والكازوال والبنزين يزيد من التهاب الأسعار التي تكتوي بنارها الأسر المعسرة في حين يتواصل إغناء الشركات المسوقة للمادتين بفسح المجال أمامها لالتهام الفارق الحقيقي بين سعر البنزين والكازوال الرديء الذي تقتنيه من السوق العالمية بثمن زهيد وتبيعه للمغاربة بسعر البنزين والكازوال من النوع الجيد تحت نظر الحكومة وسمعها.
لازالت الحكومة تتحين الفرصة المناسبة للتخلص من "عبء" دعم غاز البوطان ولا تمل من تكرار أن ميزانية الدولة تتحمل عبء كبيرا جراء هذا الدعم. في حين أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يكشف أن الحكومة، وبتدبيرها لتسعير البنزين بعد رفع الدعم عنه، توفر أموالا بسبب الفارق بين أسعار الداخل والخارج وتخصص هذا الفارق لدعم أسعار البوطان بشكل كلي أو جزئي. لماذا لا تكشف الحكومة للشعب أن دعم البوطان يتم استخلاصه، كليا أو جزئيا، من جيوب المواطنين عوض الشكوى المتكررة من "العبء" الذي يشكله دعم البوطان على ميزانية الدولة ؟ أين الشفافية والوضوح مع الشعب ؟ أليست الشفافية من مقدمات الإصلاح ومستلزماته ؟
هل يعلم بنكيران بتفاصيل هذين الخللين قبل صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات ؟ هل اطلع بنكيران على تقرير المجلس الأعلى للحسابات ؟ هل انتبه لهذين الخللين الكبيرين ؟
هل كان مساعدو بنكيران على اطلاع بتفاصيل هذين الخللين قبل صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات ؟ هل اطلعوا على تقرير المجلس الأعلى للحسابات ؟ هل انتبهوا لهذين الخللين الكبيرين ؟ هل أخبروا بهما بنكيران ؟
أليس من واجب بنكيران مطالبة المجلس الأعلى للحسابات بتوضيحات أوفى لما أورده باقتضاب في تقريره السنوي برسم سنة 2013 في الصفحة 230 من صيغته العربية وفي الصفحة 256 من صيغته الفرنسية ؟
هل من المقبول أخلاقيا وسياسيا و"إصلاحيا" الصمت تجاه هذين الخللين الكبيرين ؟
هذه تساؤلات نضعها بين يدي "الإصلاح" الغامض الذي يريدنا بنكيران أن نخضع له "خضوع الميت بين يدي غاسله". فنحن لسنا من الموتى. وهذا الشعب ليس شعبا من الموتى.
المراجع :
http://www.courdescomptes.ma/upload/MoDUle_3/File_3_177.pdf الصفحة 256
http://www.courdescomptes.ma/uplo…/MoDUle_20/File_20_172.pdf الصفحة 230

11245431_10205799265157257_1952254751_n 11216335_10205799265117256_736834181_n