دونالد ترامب المرشح الاوفر حظا للفوز ببطاقة الترشيح الجمهورية لخوض الانتخابات الرئاسية الامريكية يوصف بالعنصرية والغباء والتهريج من قبل الكثيرين داخل الولايات المتحدة الامريكية وخارجها، ولكن ما قاله امس في مقابلة مع محطة “سي ان ان” الامريكية “ان العالم سيكون افضل لو بقي صدام حسين ومعمر القذافي في الحكم، ينطبق عليه المثل الذي يقول “خذ الحكمة من افواه المجانين”، فكلام ترامب من ان الوضع في كل من ليبيا والعراق كارثي، واسوأ بكثير من اي وقت مضى (في حكم القذافي وصدام حسين)، وبصراحة لم يعد هناك عراق، ولم تعد هناك ليبيا، حسب قوله، ينطوي على الكثير من الصحة.

لا نحتاج الى المرشح ترامب او غيره لكي يقنعنا بمثل هذه الحقائق، خاصة نحن الذين عارضنا الغزو الامريكي للعراق عام 2003 واحتلاله، وشككنا بنوايا حلف الناتو التدميرية في ليبيا، وتوقعنا الفوضى الدموية في البلدين، واستفحال الطائفية وامراضها، ولكن ان تأتي هذه الاعترافات، ولو متأخرة، من مرشح جمهوري للرئاسة الامريكية، فانها يمكن ان تحرج الكثير من “المكابرين” العرب الذين يرفضون الموضوعية والانصاف، ويتمسكون بآرائهم على طريقة “عنزة ولو طارت”، ومن منطلقات عديدة ابرزها طائفي للأسف.

***
من المفارقة ان تصريحات ترامب هذه تزامنت مع “اعتذارات” قدمها توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق عن “بعض” الاخطاء التي ارتكبها اثناء خوضه للحرب، ولكنه مارس “الانكار” في ابشع صوره عندما رفض الاعتذار عن غزو العراق واحتلاله، واستشهاد ما يقرب المليون من ابنائه.

اعتذار بلير تركز على قوله بأن هناك “عناصر” من الصحة من بينها ظهور “الدولة الاسلامية”، وان الذين اطاحوا بالرئيس صدام حسين “يتحملون بعض المسؤولية عما يحدث في العراق الآن، نتيجة لاخطاء التخطيط وعدم فهم ما كان سيحدث بعد تغيير النظام، والاعتماد بالتالي على معلومات استخبارية خاطئة.

قابلت توني بلير مرتين في حياتي المهنية، احداها كانت في المكتب البيضاوي في مقر رئاسة مجلس الوزراء (داوننغ ستريت) اثناء الحرب الاسرائيلية على مخيم جنين في نيسان (ابريل) عام 2002، واصطدمت معه بسبب ما لمسته من غياب اي تعاطف في طريقة حديثة ورده على الاسئلة، وكان الكذب والخداع ينضح من احاديثه وكيمياء جسمه، ولم اندم مطلقا، وبعد ان تعرفت على دوره في حرب العراق لاحقا، وما اظهره من عداء للعرب والمسلمين، على احتدادي وخروجي عن مقتضيات البروتوكول في ذلك اللقاء.
نعم الغزو الامريكي للعراق، وكل ما تفرع عنه من احتلال وتعذيب في سجن ابو غريب، واذلال لشريحة من العراقيين الذين قاوموا الاحتلال بشجاعة ورجولة، ووضع العراق تحت حكم طائفي، ومقتل مئات الآلاف من ابنائه، وترميل ما يقرب من المليون سيدة ماجدة، وتيتيم اكثر من اربعة ملايين طفل، ربما نسبة كبيرة منهم انضموا لـ”الدولة الاسلامية”، وحل الجيش العراقي، وتدمير مؤسسات الدولة، كلها عوامل مجتمعة او متفرقة هيأت الحاضنة لظهور هذه “الدولة” وتمزيق الهوية الوطنية العراقية الجامعة، واستبدالها بالهويات الطائفية والعرقية، وتهجير الطبقة الوسطى، واغتيال اكثر من 350 عالما عراقيا.

اعتذار بلير، سواء كان كليا او جزئيا، لن يعيد الشهداء الى الحياة، ولا الآباء الى اطفالهم اليتامى، ولا العراق الى دوره كقوة اقليمية عظمى يهابها الجميع.

توني بلير الذي كذب على شعبه والعالم بأسره، وزوّر الحقائق حول امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل متعمدا لتبرير الغزو، مستخدما “شخصيات” عراقية كبرى في هذه المهمة القذرة، وهو الذي اتفق مع جورج بوش الابن قبل عام على خوض الحرب، مثلما اظهرت الوثائق اخيرا، يجب ان يقدم الى المحاكمة كمجرم حرب، هو وكل الذين تآمروا معه ضد العراق واوصلوه الى هذه الحالة المزرية التي يعيشها، ونحن هنا لا نستثني جورج بوش، ولا كل العراقيين والعرب الذين تواطأوا معه، وتحولوا الى طابور خامس في خدمة الغزو والاحتلال، ووفروا لهما الغطاء العراقي والعربي والاسلامي.

***
لا يشرفنا اعتذارا من مجرم حرب مثل بلير، ولا اعترافه بأن “الدولة الاسلامية” جاءت نتيجة لعدوانه على هذا البلد العربي العظيم، فنحن لم نطلبهما منه، ولن يبرد قلوبنا الا وقوفه في قفص الاتهام كمجرم حرب، ويتلقة القصاص الذي يتلائم مع حجم جرائمه في حق العراق واهله.

التدخل العسكري الغربي بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة بعض العرب الذين يتباكون الآن على العراق، ويترحمون على ايام صدام حسين، كان وما زال يهدف الى تمزيق البلدان العربية، واغراقها في حروب طائفية، وتدمير جيوشها او ما تبقى منها، والاخطاء التي حدثت كانت متعمدة، والا ما معنى ما يجري حاليا من استمرار هذه التدخلات، وازدحام الاجواء العراقية والسورية بمئات الطائرات الحربية من كل الانواع والجنسيات، تحت ذريعة محاربة خطر “الدولة الاسلامية”؟

العرب والمسلمون هم الهدف، وهم الضحية، والمؤامرة عليهم مستمرة، بدأت باحتلال افغانستان والعراق وتدميرهما، وتتواصل فصولها في سورية واليمن وليبيا، ولا توجد دولة عربية او اسلامية “محصنة” خاصة تلك التي تآمرت ومهدت للتدخلات العسكرية وما زالت.