بديل ـ الرباط

في هذه الافتتاحية المثيرة، لصاحبها مطفى الفن، مدير نشر يومية "صحيفة الناس" يخلص الكاتب في قراءته لما وصفها بـ"الحرب المخدومة" بين الداخلية والجمعية، إلى أن الخاسر الأكبر من هذه الحرب هو المغرب وصورته الحقوقية.

ويستبعد الفن أن تكون حرب الداخلية على الجمعية استراتيجية دولة بتوقيع أعلى سلطة في البلاد، وإنما جناح محافظ تزعجه الأصوات المعارضة الجادة، سواء كانت حقوقية او إعلامية.

ويرى الفن، أنه آن الأوان لوضع حد لهذه الحرب، خاصة وأن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عبرت عن موقف إيجابي بخصوص المشاركة في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، الذي سينظم في مراكش في آخر هذا الشهر الجاري، موضحا أن " عين العقل تقضي أن نتيح الفرصة للعقل السياسي ليؤدي دوره بدل الرّهان على المقاربة الأمنية التي انتقدتها أعلى سلطة في البلاد عقب أحداث 16 ماي الإرهابية".

وهذا نص الافتتاحية كاملا:

الداخلية والجمعية.. الحرب المخدومة

 

لا ندري بالتحديد سبب هذه "الحرب المخدومة" التي أعلنها وزير الداخلية محمد حصاد على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي تعدّ بحق "ضمير مجتمع" يحذر وينبّه ويدق ناقوس الخطر حتى قبل أن تقع الانتهاكات. شخصيا، لم أر أي داع ليقف الوزير السيد حصاد أمام برلمانيي الأمة ليشكك ضمنيا في الذمة المالية لقياديي الجمعية، في الوقت الذي يعترف رفاق خديجة الرياضي بأن جمعيتهم تربطها علاقات شراكة مع عدة مؤسسات وسفارات أجنبية وفق برامج مسطرة ودفاتر تحمّلات حول أوجه صرف هذه الأموال بعلم الأمانة العامة للحكومة.

المغرب اختار، بمقتضى النص الدستوري وذكاء الملك محمد السادس، الاستمرار في المسار الديمقراطي من غير رجعة، بل إن كل الخيارات السياسية المعتمدة اليوم توحي بأنّ بلدنا يتجه بخطى متسارعة جدا نحو التفاعل الإيجابي مع آليات منظومة حقوق الإنسان الدولية، وهو الأمر الذي تجسّد في ذلك الانفتاح غير المسبوق على العديد من المقررين الأمميين الذين زاروا بلادنا. لكنْ ماذا يعني أن تعلن الداخلية من داخل مؤسسة دستورية الحرب على جمعية ترسم صورة مشرقة عن المغرب في الخارج؟ ليس لكاتب هذه السطور أي جواب، لكني أخشى أن تكون للأمر علاقة بـ"تيار محافظ" داخل الدولة يودّ لو اختفت من المغرب كل الأصوات المعارضة ليظل هذا التيار وحده "مْضوّي البلادْ"...

أكثر من هذا، ففي الوقت الذي اختار المغرب أن يخوض مغامرة تنظيم المنتدى العالمي لحقوق الإنسان على أرضه، مع ما يشكله ذلك من تحديات كبيرة، اختارت وزارة الداخلية منطقا أمنيا توجته باتهام هذه الجمعيات الحقوقية بخدمة أجندات دولية وتلقي أموال أجنبية طائلة، رغم أن مثل هذه التهم "الثقيلة" الذي طرحها السيد حصاد في البرلمان كان المفروض أن يحيلها على زميله في الحكومة مصطفى الرميد، الذي يترأس النيابة العامة.

والحقيقة أن هذا التناقض يعزز التحليلات التي تتحدث عن تعدد مراكز القرار داخل أمّ الوزارات ووجود أجنحة مختلفة في مربع السلطة، بل إن هذا التناقض يؤكد أن هذا التيار المحافظ ما زال يعتبر أنّ المقاربة الأمنية هي الخيار الوحيد والأوحد للتعامل مع مختلف الأصوات المعارضة، وفي مقدمتها الجمعيات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية الجادة، فيما تتعامل الدولة بسخاء نادر مع هيآت ومؤسسات إعلامية تبيع الوهم ولا تبيع أي نسخة.

وتبعا لهذه العقلية المحافظة، فإن الخاسر الأكبر في هذه الحرب المعلنة على الجمعية هو المغرب، بل إننا سنخسر صورتنا الحقوقية في الداخل والخارج، ما دام هذا الاتجاه المحافظ يدفع في اتجاه إخراج المكون الحقوقي، أو على الأقلّ جزء منه، من السقف الوطني، وسنخسر أكثر لأن هذه المقاربة الأمنية لن تدفع هذه المكونات الحقوقية إلى الاعتدال والتعقل، بل ستدفعها إلى التوجه نحو مزيد من العدمية والتحول إلى فاعل سياسي راديكالي يمارس السياسة بغطاء حقوقي ليواصل مسلسل إزعاج الدولة.

الآن، حان الوقت لنسائل هذه السياسة، ونحاسبها أيضا، على ضوء المصالح التي جلبتها والخسائر التي تكبّدها المغرب، فلا وزارة الداخلية استطاعت أن تضعف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ولا الجمعية غيرت خطابها واختارت نهج الاعتدال في مواقفها الحقوقية، والرّابح الأكبر حقيقةً من هذا الاحتقان هو تلك الأصوات والهيآت والمنظمات الحقوقية الدولية التي تحمل أجندات معادية لمصالح المغرب الحيوية.

نعم، الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو المغرب لأنّ هذه المنظمات الدولية المناوئة ستجد في أخطاء المقاربة الأمنية الدليل والحجة والبرهان لترسم لنا صورة البلد الذي لم يحدُث فيه أي تحسن في وضعية حقوق الإنسان، وهكذا ستضيع كل الجهود الإيجابية التي راكمتها بلادنا لمجرّد خطأ وقع هنا أو هناك بسبب انسداد الرؤية لدى هذا الاتجاه المحافظ داخل الدولة.

هناك اليوم العديد من الدواعي التي تبرر حتمية تغيير هذه السياسة تجاه المكونات الحقوقية والإعلامية والفنية الجادة وتجاه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالتحديد. اليوم، لا أحد يمكن أن يطعن في مصداقية رجل "متصوف" وزاهد في هذه الدنيا مثل المحامي عبد الرحمان بن عمرو، ولا في عفة ونضالية الأستاذة خديجة الرياضي، وهذا معناه أن خوض معارك ضد مثل هذه الشخصيات لن يسيء إلى أحد بقدْر ما سيسيء إلى صورة المغرب، الذي سيبدو كما لو أنه بلد يتضايق من الرأي المخالف.

لقد عبّرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن موقف إيجابي بخصوص المشاركة في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، الذي سينظم في مراكش في آخر هذا الشهر الجاري، وهو موقف يستحق التثمين، كما أن هذا الموقف يمثل مناسبة مهمة لإيقاف هذه الحرب على أنشطتها ورموزها، لأن عين العقل تقضي أن نتيح الفرصة للعقل السياسي ليؤدي دوره بدل الرّهان على المقاربة الأمنية التي انتقدتها أعلى سلطة في البلاد عقب أحداث 16 ماي الإرهابية.