يعتقد بعض الناس عن جهل أو عن دوخة أو ربما تحت ضغط مصلحة شخصية ما أن اعتقال القياديين بجماعة بنكيران قرار رجعي؛ لكون ما أقدم عليه المعنيان يدخل في إطار الحريات الفردية؛ وبالتالي لا شأن ولا مصلحة للمجتمع في هذه القضية.

مثل هؤلاء الأشخاص يعيشون انفصاما خطيرا في شخصياتهم، فهم يدافعون عن الدولة المدنية، التي أساسها دستور وقانون وبرلمان منتخب، لكن ما أن يقول الدستور والقانون والبرلمان كلمتهم، استجابة لرغبة الأغلبية، حتى تجد هؤلاء أول المنقلبين على الناموس الأدبي والدستور والقانون.

ماذا يقول الدستور في فصله الثالث؟ ألم ينص على أن " الإسلام هو دين الدولة"؟ ثم ماحكم  الإسلام في العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج الرسمي، أليس حكمها التحريم؟ ثم ماذا يقول القانون الجنائي المغربي؛ الذي هو قواعد اجتماعية؟ ألا يعتبر العلاقة الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج  "فسادا" وفي حالة " بنحماد" "خيانة زوجية وتحرش وفساد"، وبالتالي نحن أمام أفعال تعارض مقتضيات الدستور ونصوص القانون، فكيف نسمح لأنفسنا بانتقاد الملك أو رئيس الحكومة أو الوزراء حين نرى انقلابا على مقتضى دستوري أوقانوني ونصرخ، أو نتظاهر بالصراخ في جميع الاتجاهات، نصرة لهذا الدستور والقانون،  لكن حين يتعلق الأمر بهواجسنا الجنسية نطعن هذا القانون وهذا الدستور!؟

ثم لماذا نهتم بهذه القضية؟ هل إذا كان " بنحماد والنجار" مواطنين عاديين كان سيعبأ أحد لافعالهما؟ هل إذا كان المعنيان   من "حركة  مالي" كانت القضية ستثير انتباه أحد؟ قوة الموضوع من طبيعة الموقع الايديلوجي والديني للمتورطين، إذ كيف تبني وجودك على الأخلاق؟ وتقدم برنامجك الإنتخابي على أساس الدين،  وتعطي دروسا للناس في التحرش والزنى، وتكفر الناس وتتعامل معهم بدونية على أساس حرياتهم الفردية،  وتزايد على خصومك بالعفة والوفاء ومرجعيتك  الاسلامية، وتقول كما قال رئيس الحكومة والأمين العام لحزب "العدالة والتنمية"، عبد الإله بنكيران،  يوم 28 ماي الماضي، خلال مؤتمر حزبي، مخاطبا إخوانه:" واش بغيتو الجنة ولا بغيتو الحكومة؟" وفي الأخير  تُضبط متلبسا بممارسة جنس مع امرأة غير زوجتك وفي الخلاء، ويوم ثورة الملك والشعب؟

لماذا تريدون إخفاء نفاق البعض؟ هل هناك جريمة أفظع من التدليس على وعي الشعب؟ كيف يُؤتمن على المال العام وحقوق الناس وأطفال الشعب من يعيش بوجهين؟

شخصيا لست ضد الحريات الفردية، لكني ضد النفاق والعيش بوجهين، وأنتصر للحداثة،  لكن هل لكوني حداثي سأؤيد الانقلاب على مقتضيات الدستور والقوانين وأتمرد على النظام العام و الناموس الأدبي ؟ أليست الديمقراطية والحداثة هي احترام مشاعر الأغلبية؟ ثم ما الذي يمنع هؤلاء من الضغط في اتجاه تعديل الدستور والقوانين   وفقا لتصوراتهم "الليبرالية" وآنذاك يكون موقفهم سليم ومنسجم مع روح الدولة المدنية؟ والأهم من كل ما سبق كيف يسمح هؤلاء لمدبري الشأن العام وناشري الدين أن يعيشوا بوجهين داخل المجتمع؟ أم أن هؤلاء إنما يدافعون عن أنفسهم من حيث يدرون أو لا يدرون؟

وزُبدة القول، إن الذي يدافع عن الحريات الفردية وهو معزول عن المجتمع سياسيا وحقوقيا ونقابيا ولا قوة ميدانية له في أي منحى من مناحي الحياة إنما يقدم خدمة ذهبية لا تعوض بثمن للرجعية وللمخزن، هذا إذا أحسنا الظن به.