بغية تسليط الضوء على ما يمكن للجهة أن تضيفه لقاطرة التنمية في المغرب، والأدوار التي سيلعبها المجلس الجهوي في هذه التنمية وكذا الأدوار المنوطة بالمؤسسات المنتخبة الثلاث من داخل الجهة عمل "بديل" على سؤال فاعلين ومحللين مختصين لتسليط الضوء على الموضوع.

وفي هذا السياق أكد الموساوي العجلاوي، مدير معهد الدراسات الإفريقية، "أن مسألة الجهوية كما هي مطروحة الآن على مستوى القانون بعد إجراء الانتخابات هي مرحلة متقدمة من حيث تطور النسق السياسي المغربي".

وقال الموساوي، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط في حديث لـ"بديل": " إن الجهوية بصيغتها الحالية لم تأتِ من خلال قرار سياسي معزول بل هي نتيجة نقاش انطلق بعد استقلال المغرب سنة 1956 وكل المراحل التي مرت منها من انتخابات وعلاقة المؤسسة الملكية بالمؤسسات الديمقراطية".

وأوضح ذات المتحدث " أن الجهوية محطة أساسية تم من خلالها إحالة عدد من القرارات التي كانت تصدر من الرباط إلى الجهات سيما ما يتعلق بمركزية التخطيط، وهي أكثر من قرار إداري أو سياسي محض، بل هي تعبير عن تحويل علاقة الدولة بالمجتمع من حيث تحويل عدد كبير من الاختصاصات نحو الجهات وكذا تعبير عن تطور مؤسسات الدولة بعد الربيع العربي لأن الدولة المركزية لم يعد لها مبرر للوجود".

وقال الموساوي في ذات التصريح " إن نهج الجهوية بالمغرب يتم في في إطار الاعتراف بتعدد المكونات الإثنية و الثقافية والجهوية "، مضيفا "أن نظام الجهوية المتقدمة هو اعتراف بذلك التعدد وتطبيق للدستور الجديد وهذا هو العمق السياسي للجهوية، الذي لا يجب أن نقرأه من خلال حسابات سياسية أو احتلال هذا الحزب أو ذاك للمرتبة الأولى أو الثانية، وإنما يجب قراءته قراءة فلسفية سياسية في إطار تاريخ المغرب الراهن وخاصة أنه مند استقلال المغرب احتل النقاش حول النخب والمؤسسات ومفهومها مكانة هامة".

من جهته أكد الفاعل الجمعوي والباحث في شؤون الجهوية بالمغرب أحمد الدحماني، " أنه لا بد من إعادة التذكير بأننا لا نتحدث عن الجهوية وإنما نتحدث عن الجهة، بالنسبة للقانون المسمى بقانون الجهة،  أما الجهوية فقد أقبرت مع التقرير الذي وضعه عزيمان ولم يعد أحد يتحدث عنه".

وأوضح الدحماني في حديث له مع "بديل"، " أن القنون الحالي وضع الجهات مثل باقي الجماعات الترابية الأخرى كمجالس الأقاليم والمجالس المحلية أو الجماعية، بينما كان الطموح عند الفاعلين الديمقراطيين والمدنيين هو أن تكون جهوية بما تعنيه من اختيار سياسي استراتيجي يتأسس على قاعدة دولة الجهات والتعدد الجهوي الترابي والتي تمكن مؤسسات الجهة من ممارسة صلاحياتها بشكل مكتمل في التنمية والقرارات السياسية والاستراتيجية الكبرى، وليس اختيارا قانونيا مؤسساتيا صرفا".

وأضاف ذات المتحدث "أن نقاش الجهوية والجهة في المغرب صاحبته زوبعة إعلامية كبرى وعند رؤية القانون نجد انه لا يمنح اختصاصات كبرى لمؤسسة الجهة وسيتكرس ذلك بطبيعة التمويل وطبيعة الميزانية المخصصة للجهة، كما أن اختصاصات الجهة مبنية على عناوين وشعارات كبرى مرتبطة بالتسويق الترابي و التدبير الأمثل لموارد الجهة".

وقال الدحماني "إن المشرع قسم بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة مع الدولة أو المنقولة من طرف الدولة، وأن أهم جديد في هذه الاختصاصات الذاتية هو الحديث عن التنمية الاقتصادية والتسويق الترابي وتنظيم الأنشطة الاقتصادية الكبرى في الجهة وكذلك عملية استقطاب الاستثمارات إلى جانب الاختصاصات التقليدية مثل الطرق والمسالك..."

وحول الصلاحيات المخولة للجهة أكد متحدث "بديل"، "انه بقراءة متأنية نجد أن هذه الجهة لن تتمكن من ممارسة صلاحيتها بالشكل المطلوب وخصوصا أن لديها إرثا لما يناهز خمسين سنة من التهميش، وكذا وجود فوارق بين جهات فقيرة ومفقرة وجهات غنية"، مضيفا " أنه عندما نقول التدبير الأمثل لموارد الجهة فإننا نتحدث عن جهة الدار البيضاء الحاملة للراسميل والثروة مثلا وما بين الجهة الشرقية أو درعة تافيلالت التي ليس لها موارد وبالتالي لن يكون هناك تدبير أمثل لهذه الأخيرة وبذلك ستستمر علاقة التبعية مع المؤسسات التمثلية، والأصل في الشيء هو خلق مؤسسات حقيقية منتخبة تتملك الإمكانات الذاتية وقدرة القرار الذاتي وهذا أمر غير وارد".

وبخصوص رئيس الجهة وصلاحياته قال الدحماني " إنه عندما نتحدث عن مجموعة الجماعات الترابية بالمغرب بما فيها الجهة، فهي تتمتع بنظام رئاسي أي أن رئيس الجهة هو الشخص المحوري والأساسي والباقي هم نواب فقط، وأما طبيعة الأنظمة القانونية المؤطرة للجماعات المحلية والترابية هي كلها ذات طبيعة رئاسية تتمحور على شخص الرئيس الذي يمتلك كل القرارات وقبالته دائما هناك "سيف ديموقليس" المتمثل في الأعضاء المنتخبين والذين يمكنهم في أي وقت إيقاف حسابات الرئيس ".

وأبز المصدر ذاته "أن هذا الوضع يمكن أن تكون له شرعية ومشروعية في عملية البناء الديمقراطي، لكن هذا التنظيم الجهوي له عدة مخاطر، وإمكانية حدوث ابتزاز سياسي أو توافقات معينة، وخصوصا أن المنتخبين الجهويين يفكرون بعقلية المنطقة التي ينحدرون منها"، معتبرا "انه لا يمكن فصل المجلس الجهوي عن التراب الذي ينتمي إليه المنتخبون الجهويون، فعند القيام باستثمار معين كل واحد من المنتخبين الجهويين سيبحث عن حق منطقته في الميزانية العامة للجهة وتصبح المناطق الترابية التي لم تعطي مرشحين ومنتخبين بالمجلس الجهوي، هي أكبر ضحية في العملية".

وتساءل الدحماني، " ألن تخلق لنا هذه الزوبعة الانتخابية وضعا صعبا ما بين الجهة كمؤسسة ومجلس العمالة أو الأقاليم والمجالس الجماعة لمحلية كمؤسسات منتخبة؟".

مبينا "أن هناك العديد من المجالس المحلية ذات ألوان سياسية متعددة، إذ لدينا مجالس إقليمية فيها ألوان سياسية، ولدينا جهة بها لون سياسي مهيمن فإلى أي حد سيتم التعاون بين هذه المؤسسات المنتخبة الثلاثة"، موضحا أنه "عندما نتحدث عن مخططات التنمية فهي تنبني على تعاون وتناغم قائم بين تلك المؤسسات الثلاث وما أفرزته الخريطة الانتخابية لا يبشر بخير حيت نجد أحزابا مهيمنة على المؤسسات المحلية وأخرى على الإقليمية وثالثة على مؤسسة الجهة، وعنصر التناغم والتشاور بين مخططات التنمية سيتعثر وهنا سيكون منفذ السلطة التنفيذية لتتدخل بقوة داخل السياسات المحلية وسيتم مصادرة القرار من طرف المؤسسات المنتخبة لصالح السلطة التنفيذية ".

ويرى متحدث "بديل"، " أن هذا المشكل يجد أصله في أنه لم تعطى للجهة سلطة معنوية ترتقي فوق باقي سلط الجماعات الترابية الأخرى، لأن المخططات التنموية كان من المفروض أن تكون الجهة هي المحدد الأساسي لها وان تكون الجماعات المحلية والمجالس الإقليمية منضيطة لقرارات الجهة لكن الدستور كرس المساواة بين هذه المؤسسات الثلاث".

واعتبر الدحماني "أن المجلس الجهوي سيقوم بتطبيق مخططاته التنموية في تراب تهيمن فيه أحزاب أخرى فهل سيستطيع المجلس الجهوي أن يحول الفضاء الجهوي إلى مجال للحوار وأن يترفع على الصراع الحزبي الضيق وإلا فالجهة ستصبح قاطرة معطوبة غير قادرة حتى على صنع التناغم المنشود ما بين التشكيلات السياسية االمكونة له".

وفي نفس السياق أشار الفاعل الجمعوي والباحث في شؤون الجهة، أحمد الدحماني، "أن هناك جانب ثانٍ في هذا العملية والمتمثل في إنشاء وكالة التنمية الجهوية والتي يمتعها القانون باستقلال ذاتي لكن تحت إشراف رئيس الجهة، وفي نفس الوقت نجد أن على رأسها مديرا معين بظهير وهو منصب سامي لديه قوة ورمزية، وهو ما يدفع لطرح التساؤل حول هل ستكون وكالة التنمية تحت السلطة الفعلية لرئيس الجهة؟ وما الهدف من خلق مجلس جهوي منتخب ووضع إلى جانبه وكالة تنمية جهوية بها مدير معين؟"