لم يكن يخطر ببال أن تصل محاكمة النوايا إلى حقيقة وأن يصل تفتيش الأفكار إلى محاكمة إدارية مطبوعة بالتأديب ترجع بنا إلى عهد محاكم التفتيش الكنسية حيث تقرأ الخلفيات والظنون بطابع التجريم ،حيث لا مجال لقرينة البراءة لأن القصد الجرمي واضح ،وما ينقص فقط هو إجبار الظنين على الاعتراف، لأنه لا حيلة له للتخفي تحت عقدة لسانه وفكره ،لأن طريق الادانة واضح والحق في الصمت غير معترف به أما الحق في المؤازة فشرك كبير، في حين أن أخذ نسخة من المحضر أو التمسك بأجل الدفاع فتحايل وافتئات على القانون ،ومغامرة غير محسوبة العواقب ،فالأمور تخالها كظنين مفترض بسيطة ،فتجدها من أكبر الجرائم، وتحد للإدارة وجبروتها وسلطتها التي لا تعلو عليها أي سلطة،أما الاستدلال بالدستور فهو استهانة بالعرف الاداري ،لأنه مجرد قواعد عامة لا حجية لها ،لأن السنون والأيام والعرف أقدس من الدستور ،فالتفتيش لا يقبل الهزل ولو كان مطبوعا بحجة الاستدلال بالدستور نفسه ،لأن التفتيش تنقيب، والتنقيب يبحث عن المعادن وأصل الكلمات وفصلها ،ومصادرها واستعمالاتها ،ولا يبحث عن حسن النية ولا عن حق حرية التعبير المكرسة دستوريا ،ولا عن حق التنظيم،فالقاضي يبقى قاضيا في المسبح والشاطئ والسينما،والشارع، وحتى في العمل الجمعوي حيث ظل المحكمة يتبعه أينما حل وارتحل ،فصفة المواطن والمواطنة منعدمة،والقاضي مثال للتقييد وليس مثال للحرية،لانه عبد للنصوص وللافكار العتيقة،حيث لا تمييز بين أمور الحكم وأمور الحياة العادية .

وإذا ما اخترنا التعليق وتفكيك تصريحات زميلتنا الاستاذة حماني في تدوينتها الفايسبوكية فلا بأس أن نذكر بها بالحرف "على فرض المصادقة النهائية على المشروعيين لا تنسوا زملائي أننا الأقوى و أصحاب الكلمة الفصل في كل ما سيحصل فالمحاكم ملعبنا و القانون عملنا و و خباياه لا تخفى علينا و تفسيره جزء كبير من مواهبنا و أسراره الهواية التي نتسلى بها فلا خوف علينا لأن مكة أدرى بشعابها لأننا في كل مرحلة سنجد دائما أسلوبا مبتكرا يرد كيدهم في نحورهم و نجعلهم يندمون على اليوم الذي خطت أيديهم هذا القانون أو ذاك فلن نعدم الوسيلة".
فالقارئ العادي سيعتبر ودون مجادلة أن تفسير التصريحات واضح المبنى والمعنى لكل صاحب عقل حصيف وإرادة حسنة ،فالإشارة الأولى أن كل قاعدة قانونية تمتاز بالعمومية والتجريد ،فالمشرع لا يشرع قانونا فئويا للقضاة وحدهم فهو يشرع للمجتمع والمواطن دون تمييز ،فإن أحسن المشرع صنعا فقد أحسن للجميع ،وإن أساء الصنع فقد أساء بحق الجميع ،وأول من يكتوي بنار القاعدة القانونية الظالمة هم واضعوها لأنها سترتد عليهم كانوا من كانوا سواء أكانوا من المقترحين أو المؤيدين أو المصادقين أو المطبقين ، وأما الإشارة الثانية فمهما بلغت النصوص من الجور والظلم وتكبيل يد القضاة ،فإن القضاة المجتهدين حق الاجتهاد الموهوبين والمسحورين بسحر وخيال فن الابداع لن يبقوا مكتوفي الأيدي وسيجتهدون في تفسيرها على النحو العادل ولما يحمي الحقوق والحريات وفقا للفصلين 110 و 117 من الدستور،لأن التفسير صنعتهم ،لأنهم يمتلكون أدواته العلمية والتقنية،ويعرفون أشد المعرفة أصوله ودقائقه ،فالعام قد يبقى على عموميته ،والخاص قد يقيد العام،والخاص قد يقيده من هو أخص منه،والنصوص تقرأ من خلال بعضها البعض ،واللاحق ينسخ السابق ،وإعمال النص خير من إهماله والقياس جائز،وقصد المشرع أولى بالاتباع، وتخصيص حالة لا يجعلها تنفرد بالحكم ، والاجتهاد واجب فيما خلى فيه التشريع،والنص يفسر تبعا لتطور أوضاع المجتمع، والعدل يسقط الظلم ولو تعلق بظلم النصوص ،فقديما قال اعطيني نصا ظالما لكن أعطيني قاضيا عادلا،لكن إذا كان النص عادلا والقاضي ظالما فذلك لعمري أعلى مراتب الجور والظلم والافتئات على التشريع.
فالعمل التشريعي ليس عملا مقدسا انه عملا بشريا يحتمل الخطأ والصواب والمطلوب هو تجويد التشريع والرفع من مستوى التكوين القانوني لأهله لتفادي منزلقات ونكت بعض التشريعات الغريبة كما وقع مع مشاريع القضاء،ووظيفة البرلماني هي التشريع وليس التشكي مما صنعت يداه.
وصدقت الاستاذة المناضلة في أن الندم سيطال عاجلا أو آجلا كل من لم يرد الخير لهذا الوطن ،ويسعى إلى معاكسة التغيير،لأنه آت لا محالة،فالنضال نضال أفكار وإرادات،وآمال وحلم، وليس نضال صراع ومصالح،والتحفظ تحفظ الجيب ضد الفساد وليس تحفظ الافكار والتغيير ،فالحقوق والحريات لا تقبل المراجعة وفقا لنص الفصل 175 من الدستور،كما أن نادي قضاة المغرب لم يخلق أبدا للتطبيل والتزمير والتصفيق والتمجيد ،وطبيعي أن يلقى فكره كل هذه الزوابع وأن تنصب مشانق التأديب نحو أعناق اعضائه،فللتغيير ثمن .