يتابع الآن القاضيين حماني والهيني، لكونهما ناقشا مشاريع قوانين السلطة القضائية، وأدليا برأيهما وانتقدا ما يرونه يمس باستقلالية القضاء، ويحط من كرامة القاضي ويجعله خاضعا خانعا مطيعا.

ويحق لنا أن نتساءل، هل يمنع على القاضي أن يبدي رأيه ويعبر عنه بكل حرية، خصوصا إذا تعلق الأمر بمسائل تهم ممارسته اليومية كقاض، وتهم أيضا الإطار القانوني الذي ينظمه كسلطة.

بكل تأكيد سنجد الجواب الشافي في الفصل 111 من الدستور المغربي الجديد الذي ينص على ما يلي: " للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية".

بل إن الدستور ضمن لكل مواطنة ومواطن من خلال الفصل 25 حرية الفكر والرأي والتعبير وجعلها مكفولة بكل أشكالها، فكيف يمنع ذلك عن القاضي، الذي يبقى هو حامي حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون حسب الفصل 117 من الدستور.

فإذا كان الأمر كذلك، لماذا يا ترى توبع القاضيين على مجرد إبداء رأيهما حول مشاريع قوانين السلطة القضائية، ألا يحق لهما ذلك وهم المعنيين بالأمر، أ يحجب عنهم ذلك وهم الجسد الذي يفصل ويخاط له الثوب ليلبسه.

قد نجابه بأنه لا مانع من إبداء الرأي والحرية في التعبير، لكن دون القفز على واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية، لكنني كمتتبع ومهتم لا أجد فيما عبر عنه القاضيين قفزا على واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية، بل عبرا عن موقفهما ورأيهما بالطريقة التي يرونها مناسبة ولهم الحق في ذلك، ولم يتجاوزا أبدا واجب التحفظ، ناقشا فقط مشاريع القوانين ووقفا على مكامن الخلل من وجهة نظرهما، وانتقدا وطالبا بالتعديل والحذف، فما المانع في ذلك، ولماذا أحدثت أصلا ضجة الحوار حول إصلاح منظومة العدالة، إلا لتبادل الآراء والتوافق على نقط الخلاف والخروج بقوانين تخدم مصالح المواطن بالدرجة الأولى.

ما المانع من انتقاد مشروع قانون وما الضير في ذلك، أهو قرآن منزل، من واضعي هذا المشروع ومن أين استمدوا قدسيتهم وقدسية ما خطته أيديهم بما جادت به مخيلتهم، حتى يمنع القاضي والمحامي وحتى المواطن العادي من مناقشته وانتقاده ولو بشكل لاذع، الأمر أولا وأخيرا مجرد رأي والرأي حر، ولله الأمر من بعد ومن قبل، هم من البشر والبشر يخطئ قبل أن يصيب.

يؤسفنا حقا في دولة تسير نحو إرساء مبادئ الديمقراطية والحق والقانون والحريات، أن نقف عل أمر، أنعته بالمخزي، حين يتابع قضاة لمجرد التعبير عن الرأي، ماذا بقي للمواطن العادي الذي يطمح في استنشاق هواء نقي طعمه الحق والحرية، والأبشع أنه عندما يستدعى القاضي لا يتم تسليمه نسخة من الشكاية أو موضوع المتابعة وهو خرق لأبسط حقوق الدفاع، فما تأثير ذلك على نفسية قاض يفصل بين الناس إن هو نفسه تم الجور عليه وهضم حقوقه على الأقل من الناحية الشكلية.

لن أناقش في هذا الحيز مشاريع قوانين السلطة القضائية، وقد عبرت عن رأيي صراحة عندما قلت أن الدولة ليست لها رغبة حقيقية في استقلال القضاء، وصرحت بذلك علنا في برنامج بثته إذاعة "إم إف إم" حول إصلاح منظومة العدالة، بأن قلت إن ما تم الجود به باليد اليمنى أخذته اليد اليسرى، فعندما خرج وزير العدل من الباب رافعا يده عن القضاء، تم إدخال سبعة أشخاص ومؤسسات لا علاقة لهم بالقضاء يدخلون في تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية حسب المنصوص عليه في الفصل 115 من الدستور وهم: الوسيط ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان وخمس شخصيات يعينها الملك من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، أي حوالي ثلث أعضاء المجلس، فما علاقة هؤلاء بالقضاء وما الداعي لوجودهم في مجلس أوجد أصلا ليسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، كما ينص على ذلك الفصل 113 من الدستور.

ليتأكد لنا مرة أخرى أن ما جاء به الدستور من ضمانات ومبادئ وحقوق والتي تبقى خطوط عريضة وعناوين، تغتاله النصوص التنظيمية التي تزعم أنها تنزل المبادئ الدستورية إلى حيز التطبيق.

وفي الأخير، وهذا رأيي، إن متابعة القاضيين حماني والهيني، تؤكد على شيء واحد، وهو أنهما على حق وصواب، وأشارا بسبابتهما إلى مكامن الخلل وناقشا بحمولتهما الثقافية القانونية ضعف المشروعين، وأحدثا أيضا ضجة لا يرغب فيها صاحب الشأن، وإلا لما كانا توبعا على مجرد رأي.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولمن تابعكم.

* محــامي بهيئة الدار البيضاء