ألف بوست-د.حسين مجدوبي ـ تعتبر فضيحة “سويسليكس” حول الحسابات السرية في بنك HSBC Private Bank التي تجاوزت 180 مليار يورو ثمرة أكبر عملية تحقيق وتقصي في تاريخ الصحافة العالمية حتى الآن. وعمليا، تتجاوز ويكليكس التي اقتصرت على صحف محدودة بينما في حالة “سويسليكس” فقد انكب 154 صحفيا من 47 دولة ومنها المغرب على التحقيق في حسابات سرية وبدء النشر في توقيت واحد وهو: العاشرة ليلا من يوم 8 فبراير 2015. وتعتبر هذه السابقة منعطفا سيزيد من تعاون الصحفيين دوليا وسينعكس إيجابا من خلال إنعاش صحافة التحقيق والتقصي، لاسيما وهذا يتزامن مع ظهور صحافة مرتبطة بالإنترنت وتقدم نفسها بديلة عن الصحافة الكلاسيكية التي في معظمها مرتبطة برؤوس أموال وجهات سياسية ذات أجندات محددة.

وعادة كان الصحفيون يعملون في سرية تامة للحفاظ على مصادر الخبر لتحقيق سبق وطني أو دولي أو حتى عالمي فيما يخص صحافة التحقيق والتقصي. ويقدم تاريخ الصحافة الكثير من الأمثلة في هذا الشأن. ولعل المثال البارز هو الذي سجلته صحيفة الواشنطن بوست في بداية السبعينات عندما نجح الصحفيان بوب وودوارد وكارل بيرنشتاين في تفجير فضيحة واترغيت التي أجبرت رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون على الاستقالة.

وفي ظل علاقات دولية وإعلامية معقدة، وبالتزامن مع انتشار الشركات العابرة للقارات وكذلك البنوك، بدأ الصحفيون يراهنون على التعاون الدولي بينهم. وكان المنعطف هو وثائق الدبلوماسية الأمريكية التي حصلت عليها جمعية ويكليكس بزعامة الأسترالي جوليان أسانج وفوتتها لكبريات صحف العالم الخمسة وهي لوموند والباييس ونيويورك تايمز ودي غارديان وذي شبيغل لتبدأ سنة 2010 بنشر تقارير الخارجية الأمريكية حول معظم دول العالم، ويقف الرأي العام العالمي مندهشا أمام الكثير من الأسرار.

وشهد العالم تسريبات هامة سنة 2013 ، وعي تسريبات إدوارد سنودن حول طرق وأساليب تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكي على العالم بأسره. وانفردت الجريدة البريطانية ذي غارديان بالنشر مع إشراك محدود لبعض الصحف الكبرى. وارتكبت ذي غارديان خطئا بعدم تعميمها الوثائق على وسائل الاعلام الدولية.

وسيسجل تاريخ الصحافة القفزة النوعية الحقيقية يوم 8 فبراير 2015 في ملف تسريب الحسابات السرية للفرع السويسري HSBC Private Bank للبنك البريطاني HSBC الذي يساعد زبناءه على التهرب الضريبي، وتأخذ الفضيحة بعدا بحضور قادة عرب وزعماء دول فقيرة علاوة على مشاهير منتمين للعالم الغني والمتقدم ومنهم السياسي من الدرجة الثانية والفنان والرياضي ورجل الأعمال ضمن مهن أخرى.

ويعود الفضل في هذا التسريب الى مهندس المعلوميات هيرفي فلسياني الذي يعتبر من أبطال العالم الرقمي على شاكلة أسانج واسنودن. وسرب 130 ألف حساب مالي للبنك المذكور ما بين 9 نوفمبر 2006 الى 2007.

جريدة لوموند التي حصلت على لائحة الحسابات السرية، قامت ابتداء من سبتمبر الماضي بالتنسيق مع “الائتلاف الدولي لصحفيي التحقيق” لوضع استراتيجية دولية للتحقيق في الحسابات ونشرها. وشارك 154 صحفيا من 47 دولة في العالم في ترجمة هذا الهدف الى واقع. ويحضر المغرب هنا من خلال الصحفي أحمد بنشمسي، المدير السابق لمجلة تيل كيل الذي ساهم في المقال حول حسابات الملك والأمراء في جريدة لوموند المنشور يوم 10 نوفمبر. وتروي جريدة لوموند في عدد الثلاثاء 10 فبراير كيف جرى اجتماع في مقرها خلال سبتمبر الماضي بمشاركة أكثر من 40 للاتفاق حول التحقيق والنشر.

ونصّ الاتفاق على دراسة دقيقة للأسماء الواردة في لائحة فلسياني مع التركيز على تلك التي يعرفها الرأي العام الدولي وكذلك على أصحاب المبالغ الكبيرة علاوة على تناول دور البنك HSBC في تبييض الأموال عالميا من خلال مساعدة زبناءه في التملص الضريبي. وكان بنك HSBC قد خصّ فرعه HSBC Private Bank لهذا الغرض أساسا، ويعترف البنك أنه ابتداء من 2008 بدأ يراجع الحسابات التي لديه. وهذا اعتراف من المصرف بأن كل الحسابات السابقة لهذا التاريخ مشبوهة.

وعلى الساعة العاشرة من يوم الأحد 8 فبراير 2015 بدأت قرابة 60 من وسائل الاعلام عملية النشر، لتدشن بذلك منعطفا في تاريخ الصحافة العالمية من خلال مشاركة 154 صحفيا من 47دولة في التحقيق.

وتنتمي أغلب وسائل الاعلام المشاركة باستثناء كبريات الصحف مثل لوموند الفرنسية وذي غارديان البريطانية ولوتون السويسرية وسونتانغ زايتونغ الألمانية الى الصحافة الرقمية الجديدة التي لا ترتبط برؤوس أموال وجهات سياسية متورطة في تهريب الأموال. وشاركت من اسبانيا جريدة كونفدنسيال الرقمية (الثالثة في الإنترنت في اسبانيا) بدل الباييس والموندو.

والتعاون القائم وسط “الائتلاف الدولي لصحفيي التحقيق” الحديث العهد بالتأسيس يدشن لتصور جديد في عالم الصحافة من سماته تعزيز الصحفيين للتعاون بينهم في مجالات مكافحة الفساد خاصة في حالة الشركات العابرة للقارات مثل حالة البنك الحالي. ومن المرتقب جدا قيام الصحفيين باستنساخ ونقل التجربة على المستوى الوطني والقطري أو الجهوي لكل دولة أو منطقة معنية من العالم، علما أن هذا التعاون يسجل بين بعض صحفيي دول أمريكا اللاتينية.

وهذا التصور الجديد يمكن اعتباره استنساخا لمفهوم التعاون الذي أرسته جمعيات حقوقية وطنية في تشكيلها لتجمعات دولية لمناهضة خروقات حقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية. واكتسبت هذه الجمعيات مثل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان أو أمنستي إنترناشنال قوة تأثير يحسب لها في القرارات الدولية.

وعلى شاكلة الحقوقي، بدأ الإعلامي والصحفي يتخذ الخطى نفسها بعدما تأخر كثيرا حيث كانت هذا التعاون ضروري مع بدء العولمة، وتعتبر “سويسكليكس” المنعطف التاريخي، وفي انتظار فضائح أخرى في عالم مليئ بالفضائح.

ملاحظة: من المفارقات المثيرة هو أن هذا التحقيق الذي يعتبر منعطفا في تاريخ الصحافة العالمية اعتبرته بعض وسائل الاعلام المغربية منذ أيام عملية تستهدف ملك المغرب والعلاقات المغربية-الفرنسية، بينما الأمر يتعلق ب130 ألف حساب لملوك ورؤساء وشركات وفنانين وسياسيين ورياضيين ورجال أعمال ووزراء ومهن أخرى وتطلب تنسيقا دوليا لشهور. والأدهى أن البنك أخبر زبناءه بقيام وسائل إعلام دولية بنشر الأسماء ويطلب منهم المعذرة، ورغم ذلك مالت بعض وسائل الاعلام الى نظرية المؤامرة.