يمكن لكل هؤلاء الذين يقدمهم الإعلام بصفتهم محللين سياسيين أن يتحدثوا كما يحلو لهم عن نتائج انتخابات المجالس الجهوية، وأن يبحثوا عن كل التبريرات الموضوعية أو الواهية لشرح إفرازات التحالفات في السباق نحو الظفر برئاسة الجهات. لكن الثابت بالنسبة للمواطن البسيط أن ما حدث هو انقلاب واضح - على طريقة ديموقراطية الإستثناء المغربي - على إرادة المغاربة كما عبرت عنها أرقام وحصيلة إنتخابات 04 شتنبر.

مرة أخرى تؤكد النخب الحزبية في هذا البلد أنها لا تستحق الثقة، وأنها ليست مؤهلة للإنتقال بالمغرب إلى تجربة ديموقراطية حقيقية. ومرة أخرى يتأكد بالملموس أن المشترك الثابت بين هذه الأحزاب هو البحث عن مكتسبات خاصة قبل أي اعتبار آخر. وإلا كيف يمكن تفسير التحالفات التي حددت ملامح رئاسة الجهات؟. وأي منطق يحكمها؟... لنلق أولا نظرة خاطفة على بعض الأمثلة:
الحالة الأولى: في جهة كلميم – واد نون: أحرزت الأحزاب المحسوبة على المعارضة أغلبية مريحة في الإنتخابات الجهوية، وتبعا للتحالفات المعلنة كان مرشح الإتحادالإشتراكي للقوات الشعبية هو الفائز حسابيا، لكن النتيجة آلت لمرشح التجمع الوطني للأحرار.
الحالة الثانية: في جهة بني ملال خنيفرة: منتخبون من الحركة الشعبية اختاروا عدم التصويت لمرشح حزبهم ، وفضلوا ركوب الجرار.
الحالة الثالثة: في جهتي طنجة – تطوان الحسيمة، والدار البيضاء- سطات: بدا واضحا أن الإتفاق المبرم بين قيادات الأحزاب الحكومية لم يحترم، حيث اختار منتخبون من حزبي الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار التصويت للأصالة والمعاصرة بدل العدالة والتنمية.
السلوكات التي تعبر عنها هذه الأمثلة وغيرها هي التي تساهم في عزوف فئة عريضة من المغاربة عن المشاركة في العملية الإنتخابية، لأنها تعبر عن واقع سياسي مأزوم لا يرى فيه هؤلاء أي أمل في التغيير. وهي سلوكاتتسائل النخب الحزبية وتضعها موضع اتهام. لأن الوفاء بالتعهدات والإلتزامات جزء أساسي من مصداقية الممارسة السياسية، وعندما يختار الناخبون حزبا سياسيا على رأس خمس جهات من حيث عدد المقاعد التي تحصل عليها، ثم يفوز برئاسة جهتين فقط، فإن ذلك يدل على خلل ما. والخلل هنا مرتبط بالأساس بطبيعة المسطرة الإنتخابية المعتمدة، ومرة أخرى تتحمل هذه الأحزاب المسؤولية كاملة في هذا الإطار. وما نسمعه اليوم من اتهامات داخلية متبادلة سواء بين مكونات الحكومة أو المعارضة يؤكد أن منطق التحالفات لا يستند على برنامج إنتخابي ولا على إيديولوجية سياسية، ولا يولي اهتماما لإرادة الناخبين كما تعبر عنها صناديق الإقتراع، بل يرتبط بالمزاجية وبالمصالح الشخصية. وإلا كيف يمكن أن نفسر سلوك " ناخبين كبار"( من المفترض أنهم يمتلكون ولاء حزبيا ) لا يلتزمون بالتوجه الذي اختاره حزبهم؟.
وبالعودة إلى طبيعة القوانين المنظمة للعملية الإنتخابية بالمغرب، يتضح أن ما شهده السباق نحو رئاسة الجهات من تحالفات، وما تمخض عنه من نتائج، كان بالإمكان أن يتم تفاديه في ظل نظام إنتخابي أكثر شفافية وديموقراطية. لكن الأحزاب التي تتوافق على مشاريع القوانين قبل إقرارها لا تهمها إرادة الناخب بقدر ما تهتم لمكتسباتها الخاصة. حيث كان جديرا في ظل دستور يتحدث عن جهوية موسعة أن يكون القرار بيد المواطن عبر صناديق الإقتراع. فما الذي يمنع من انتخاب رئيس الجهة مباشرة من طرف المواطنين؟. أو على الأقل، لماذا لم يتضمن القانون إشارة صريحةتفيد بأن رئاسة الجهة ينبغي أن تؤول للحزب الذي يحتل المرتبة الأولى من حيث المقاعد المحصل عليها جهويا؟.
إن حديث بعض القيادات الحزبية عن الخيانة وشراء أصوات من يسمون بالناخبين الكبار يؤكد أن الممارسة السياسية في بلادنا تحتاج إلى تخليق إكراهي وليس اختياريا. فما دامت هذه الأحزاب غير قادرة على إعداد نخب سياسية حقيقية متشبعة بمبادئها ومؤمنة باختياراتها وبرامجها، فإن القانون ينبغي أن لا يساهم في تكريس هذا الوضع. إذ لا يكفي في ارتباط بالموضوع أن يصدر الحزب عقوبة الطرد أو تجميد عضوية منتخب ما لم يخضع لاختيارات حزبه وتوجيهاته وتحالفاته، بل كان من الضروري أن ينص القانون على حرمانه من عضويته في دائرته الإنتخابية الأصلية، ومن تم يترتب عن ذلك إلغاء صوته في انتخاب رئيس مجلس الجهة أو الجماعة أو البلدية. ومثل هذا البند كفيل بالقضاء على بعض السلوكات التي تسيء لنزاهة العملية الإنتخابية برمتها.
لقد أسدلت التحالفات الحزبية الهجينة الستار على أول تجربة إنتخابية جهوية في ظل دستور 2011 بأسلوب عاكس تطلعات المغاربة، وأكد أن القرار الإنتخابي مازال بعيدا عن متناول المواطن. ويبدو أن إلغاء إرادة الناخب ستتواصل (على ضوء النتائج التي أسفر عنها سباق الجهات) خصوصا في المدن الكبرى التي يطبق فيها نظام وحدة المدينة، والتي يبدو أن الناخبين منحوا فيها للعدالة والتنمية تفويضا صريحا، لأن من شأن الوصاية التي تفرضها الجهة على مجالها الترابي أن تؤثر سلبا على العلاقة بين مجالس الجهات ومجالس الجماعات الحضرية والقروية الخاضعة لها بسبب الحساسيات الحزبية التي سيكون ضحيتها الأول هو أمل المغاربة و طموحهم في تنمية مجالية حقيقية تضمن لهم أسباب العيش الكريم.