خالد أوباعمر

تدنيس حرمة الجثث من الأفعال الجرمية التي يعاقب عليها بالحبس في التشريعات الجزائية لعدد من الدول.كما أنه "فعل التدنيس" يشكل أحد تمظهرات الانتهاكات الجسيمة لحرمة الموتى بعد انفصال روح الإنسان عن جسده.

من هذا المنطلق، فإن نقل جثت ضحايا الفيضان، الذي ضرب بعض مناطق الجنوب بسبب غزارة الأمطار وهشاشة البنيات التحتية وتقصير السلطات المعنية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات وقائية قبل وقوع الفاجعة، على مثن شاحنات للقمامة، سلوك مدان ولا يمكن قبول تفسيره أو تبريره بأي شكل من الأشكال، لما ينطوي عليه هذا السلوك من اعتداء على حرمة الموتى ومن تجاوز لكل التشريعات السماوية والوضعية التي تحث على حماية حرمة الميت، بغض النظر عن دينه أو نسبه أو عرقه أو طائفته أو لونه.

في الدول التي تحترم حقوق الإنسان، حيا كان أم ميتا، لا يمكن على الإطلاق أن تقوم شاحنة للقمامة مقام سيارات الإسعاف في نقل جثت ضحايا الكوارث الطبيعية والبشرية...هذا السلوك لا يليق حتى بالكلاب الضالة التي يتم إعدام حقها في الحياة بسبب سعارها..فبالأحرى الإنسان الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه.

الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لجثت الموتى بسبب الفيضان في الجنوب وهي منقولة على مثن شاحنة مخصصة لنقل القمامة صور تسيء من الناحية الحقوقية والإنسانية لوجه المغرب ولصورة حقوق الإنسان فيه على المستويين الداخلي والخارجي مهما كانت الحالة معزولة. ومن بؤس الصدف وربما من حسناتها أيضا أن هذه الفضيحة تفجرت أياما فقط عن احتضان المغرب للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان في نسخته الثانية !!

فيضان الجنوب ينبغي أن نستخلص من فواجعه الإنسانية المؤلمة والحزينة، الدروس والعبر، ليس في الجانب المتعلق بكيفية التعامل مع حرمة الموتى فحسب، بل، في طريقة تعامل الدولة والمواطن مع الكوارت بشكل عام، قبل وقوعها وبعدها، لاسيما، عندما تظهر أدلة مادية ملموسة تثبت وجود مسؤولية تقصيرية لدى السلطات التي لم تتخذ ما يكفي من الاحتياطات الوقائية لتفادي الكارثة أو للحد من آثارها كحد أدنى...

طريقة تعامل السلطات المحلية مع جثثت ضحايا الفيضان في كلميم تشكل مدخلا مهما لفتح نقاش جاد ومسؤول حول قضية حرمة جثت الموتى في المغرب حتى لا يقع التطبيع مع الانتهاكات الجسيمة التي تطالها.

في المغرب وقعت جرائم كثيرة تم فيها المساس بحرمة الموتى بشكل فضيع، وقد سبق للصحافة المغربية أن نشرت الكثير من الأخبار عن الجرائم....

هناك جثت تم إخراجها من المقابر ومورس عليها الجنس، وأخرى أخرجت من المقابر وتم تقطيعها أو بتر أعضاء منها لاستغلالها في أعمال السحر والشعوذة، وهناك جثث تصاب بالتحلل والتعفن نتيجة إهمالها في مستودعات الموت بالمستشفيات، وهناك جثث يمكن أن تتعرض أعضائها للسرقة.... هذا دون الحديث عن وجود مقابر تم العبث بها وأخرى فاضت عليها مياه الصرف الصحفي كما حدث في مدينة تازة. هل هذا الوضع صحي في المغرب؟

الموت مصير الجميع، وحماية حرمة الموتى مسؤولية الجميع، فلنجعل إذن من بشاعة صور نقل جثت موتانا على مثن شاحنات نقل الأزبال في الجنوب، فرصة للقطع مع الجرائم التي تنتهك حرمة موتانا. إنا لله وإنا إليه راجعون