بعد خمس سنوات من مراجعة الدستور المغربي، هذه المراجعة التي جاءت ببعض التعديلات التي حملت مكتسبات ديمقراطية انتزعها انتزاعا نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني المغربي والقوى السياسية الديمقراطية، في ظرف عسير وسياق دقيق سنة 2011، بعد هذه المدة التي مرت على المراجعة المذكورة، ما زال الدستور يبدو كما لو أنه عبء على الدولة، حيث التزمت فيه بأمور لا تنوي في الواقع تحقيقها، بقدر ما كانت تهدف إلى تهدئة الخواطر بالتعبير عن نية في الإصلاح مع وقف التنفيذ والتفعيل، ولأن "النية أبلغ من العمل" فيمكن القول إن الكثير من المكتسبات الدستورية قد بقيت لبضع سنوات عند حدود النية والقول، ولم تعرف طريقها إلى التحقق الفعلي، إلى أن جاءت السنة الأخيرة من عمر الحكومة لنفاجأ بأمر آخر كان في الواقع منتظرا، وهو محاولة تحريف مضامين الدستور وإعطائه تأويلات تجهض مضامين نصوصه وتفرغها من معناها، فبما أن الحكومة ملزمة بأن تضع القوانين التي ينصّ عليها الدستور في مدة ولايتها، فقد أصبحنا أمام واقع خطير هو تفعيل الدستور ولكن بعكس محتواه، فصرنا أمام مشاريع قوانين تشرعن جميع الأشياء التي جاء الدستور لإنهائها، ومنها التمييز بسبب الدين واللغة والجنس والحجر على الإعلام وحرية الصحافة والفكر والتعبير، بل لأن دستورنا أصبح أكثر تقدما من ذي قبل ، فقد أصبحنا مثلا أمام إمكانية شرعنة "جرائم الشرف" حسب مسودة القانون الجنائي التي اقترحها وزير العدل والحريات، لأن "دم الرجال سخون" على حدّ تعبير رئيس الحكومة، تماما كمثل رجال العشائر البدوية في منطقة الخليج. فالمجتمع "محافظ" ولا بدّ له من قانون يلبي غرائزه البهيمية.
لقد جاء الدستور حافلا بعبارات احترام الحريات العامة والخاصة، لكن الممارسة تدل على اتجاه حثيث نحو مزيد من عنف السلطة، ونحو النهج التحكمي في الدولة بدون أي مبرر معقول.
كما جاء محتوى الفصل 19 واضحا، حيث يتعلق الأمر بحقوق النساء في المساواة ورفع الميز، لكن الحكومة بعد التواء ومراوغة وكولسة قررت تفعيل هذا الفصل بتأويل جديد لا قبل لنا به وهو أن المساواة هي حسب التقاليد و"الثوابت" وليس المساواة التي تعتبر بموجبها المرأة إنسانا مواطنا فاعلا ومشاركا كالرجل تماما، أما رفع الميز في مشروع هيئة المناصفة فقد أصبح هو رفع جميع أشكال الميز بما فيها التي لا تتعلق بالمرأة، وذلك بغرض التعويم والخلط والتشويش المقصود، الذي سينتج عنه في النهاية ترك الأمور على ما هي عليه، تماما كما يتم دائما عند رفع شعار "استقرار الأسرة" للتعمية على حقوق المرأة، كما لو أن هناك استقرار ممكن للأسرة بدون كرامة النساء.
أما فيما يخصّ ترسيم اللغة الأمازيغية فمن الواضح أن ما سبق القانون التنظيمي (الذي لا أثر له بعدُ) من إجراءات تحقيرية سواء في برنامج وزارة التربية الوطنية أو في تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين أو في مجال القضاء، تدل بما لا يدع مجالا للشك على أنّ الدستور قد وضع جانبا واعتبر وثيقة مزعجة، حيث يتم الإعداد لشرعنة الميز ضدّ الأمازيغية بقوانين، بعد أن كان الميز سلوكا مدانا ومثار سخط وغضب.
بهذا كله سنصبح أمام وضعية جديدة وغير مسبوقة، لا تخلو من طابع كاريكاتوري، وهي أننا قبل دستور 2011 كان الميز مسكوتا عنه من قبل المسؤولين بسبب علمهم بأنه مدان ومرفوض وغير طبيعي، وكانت القوانين التي تعتمدها الدولة تعتبر قاصرة ومضادة لحقوق الإنسان، أما اليوم فإن ما تعمل الحكومة من أجله هو إضفاء الشرعية على الميز ضد النساء وعلى الميز اللغوي والثقافي من خلال التظاهر بتفعيل الدستور، مع العلم أن السبيل الوحيد لهذا التفعيل هو إنهاء الميز والتحقير وسنّ قوانين للحماية والنهوض بمقوماتنا الهوياتية واللغوية والثقافية جميعها بدون استثناء، واحترام المرأة التي برهنت عن كفاءتها في كل المجالات.
لقد سبق لخبراء أن أكدوا منذ عقود على أن بالمغرب دستوران اثنان، واحد مكتوب ومعلن لا يتمّ العمل به، وآخر شفوي ومزاجي هو عماد الدولة ومرجعها في القرارات وتدبير المؤسسات، وهي ثنائية عمقت بنيات التخلف في الدولة والمجتمع معا، فهل يمكن أن نقول إننا قد غادرنا هذه الوضعية البئيسة ؟ المؤشرات التي بحوزتنا لا تفيد ذلك، وما يجري حاليا سيؤدي لا محالة إلى مزيد من السخط والإحباط والنزاع في المجتمع، حيث ستصبح لنا قوانين تعتبر تفعيلا للدستور دون أن تحقق منه شيئا، وهي عملية شيطانية تلتقي فيها إرادة السلطة بإرادة التيار المحافظ الذي بقي في نفسه "شيء من حتى"، في موضوع حقوق الإنسان التي لم يستطع هضمها حتى الآن. لكن ما يتجاهله هؤلاء وأولائك هو أننا لسنا في نهاية التاريخ، وأنّ التاريخ لا يعيد نفسه، وأننا ملزمون بالعيش المشترك والسلمي مع بعضنا البعض، ومن أجل ذلك لا بدّ من أن يشعر كل واحد منا بالكرامة في وطنه، وبالانتماء إلى الدولة.