عبد الله أفتات

وجه الملك يوم الجمعة 10 أكتوبر الجاري في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة انتقادات شديدة لكل الفاعلين المتواجدين بالساحة، للحكومة والبرلمان والأحزاب المنتمية للمعارضة المؤسساتية، والتنظيمات المعارضة التي تشتغل خارج ما هو رسمي وتتخذ من الشارع كمرتع لأنشطتها وتحركاتها .
وقال الملك في خطابه موجها كلامه للمعارضة المتواجدة بالشارع "إننا لسنا ضد حرية التعبير ، والنقد البناء ، وإنما ضد العدمية والتنكر للوطن. فالمغرب سيبقى دائما بلد الحريات التي يضمنها الدستور".

وخاطب المعارضة المؤسساتية قائلا "غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن ، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية". وأضاف ملك البلاد "أما ممارسة الشأن السياسي، فينبغي أن تقوم بالخصوص، على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات ، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل".

أما الأحزاب المشكلة للحكومة فجاء بشأنها في خطاب الملك أمام نواب الأمة ما يلي "أما الخاسر الأكبر، فيمثله الذين يعتبرون أن مقاعدهم ريعا، أو إرثا خالدا إلى الأبد. فإذا لم ينجحوا في الانتخابات يقولون بأنها مزورة. وإذا فازوا يسكتون، مستغلين نزاهتها للوصول إلى تدبير الشأن العام." منبها إلى أن "الانتخابات المقبلة، لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها. وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي، بين البرامج والنخب. وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية".

هذه الانتقادات تفرض علينا تناول الأمر من زوايا ومستويات، لنقف عن بعض الثوابت التي تميز الشأن السياسي المغربي، والتي توجد بجانبها بعض المتغيرات التي تبقى في مجملها شكلية، شأنها في ذلك شأن كل المبادرات الرسمية التي حفلت بها الساحة منذ ما سمي باستقلال المغرب سنة 1956 .

والغريب أن لا أحد من هؤلاء الفاعلين المنتقدين يمتلك مساحة للاشتغال، فإذا أخذنا الساحة البرلمانية فسنجد أنها أفرغت من اختصاصاتها رغم محاولة الوثيقة الدستورية أن توهمنا بعكس ذلك، تجعل من وجودها كعدمها، بل إن ملفات تمر دون أن يكون لهذه الهيئة التي توصف بالتشريعية رأي فيها، فبالأحرى مراقبتها وتقويمها والتأثير في مسارها، فميزانيات القصر والجيش تمر بالتصفيق مع أنهما من أكبر ما يرصد..و مداخيل الفوسفاط والثروات السمكية ومجموعة من الصناديق السوداء التي تصل مبالغها إلى مئات الملايير وغيرها تبقى بعيدة عن مؤسسة شارع محمد الخامس بالعاصمة، بل إن هناك من يعتبرها كمكتب لتمرير المشاريع ليس إلا عبر آلية التصويت .

ويكفي أن نستدل هنا بما صرح به وزير التربية الوطنية أمام نواب الأمة عندما انتقدوا مخططه حول التعليم، حيث واجههم بأنه يطلع الملك على كل مبادراته وهو راض عن العمل الذي يقوم به حسب ما أوردته يومية "أخبار اليوم"، بمعنى هذه الملاحظات اضربوا بها عرض الحائط ، وكأن حال لسانه يريد أن يقول "أنا عينني الملك ولا أقدم الحساب إلا للملك"، ومن المعلوم أن رشيد بلمختار من الوزراء "التقنوقراط" الذي يعتبر الفريق الأبرز داخل التشكيلة الحكومية لعبد الإله بنكيران، وإذا كان هذا البرلماني سيواجه بمثل هذا الكلام في مؤسسة من المفروض أنها تراقب العمل الحكومي، فلماذا أصلا سيكلف عناء نفسه للوصول إليها ؟
أما بخصوص مؤسسة الحكومة فيكفي أن نشير إلى أن رئيسها صرح أكثر من مرة أنه فقط "رئيس للحكومة"، وإن كان هذا التصريح ينسجم مع الواقع، إلا أنه في مناسبات أخرى يناقض نفسه عندما يدعي أن له اختصاصات كافية لتمرير مشروع حزبه وتحقيق بعض المنجزات، اليوم توجد العديد من المشاريع الكبرى خارج الحكومة، فملفات الخارجية والداخلية، والمالية والتعليم والمؤسسات العمومية الكبرى والإستراتيجية كصندوق الإيداع والتدبير والمكتب الشريف للفوسفاط، والمكتب الوطني للماء والكهرباء، الخطوط الجوية، بنك المغرب، المخابرات الداخلية والخارجية..كل هاته المؤسسات الكبرى يؤكد الواقع أنها تابعة مباشرة للمؤسسة الملكية ولا يعرف رئيس الحكومة تحركاتها ولا مبادراتها إلا ما يخرج للإعلام شأنه في ذلك شأن باقي المواطنين .

وحتى لا يقال أننا نطلق هنا الكلام على عواهنه أستحضر هنا الحفل الذي ترأسه الملك بحضور بنكيران وفريقه الحكومي يوم 26 شتنبر 2014 بمدينة الدار البيضاء، الذي خصص لتقديم مخطط لتنمية مدينة الدار البيضاء ما بين 2015 و 2020، والذي قدم خطوطه العريضة للملك "والي المدينة" في حضور "عمدة المدينة المنتخب"، وأكد والي الدار البيضاء وفي حضرة رئيس الحكومة المنتخب أن المشروع الذي رصدت له ميزانية اجمالية ضخمة تناهز 34 مليار درهم يأتي تنفيذا للتعليمات السامية، وفي زمن ثورة الصندوق الانتخابي وضع هذا المشروع بعيدا عن كل ما يسمى بالمؤسسات التي انتخبها الشعب (الحكومة، العمدة..) بمعنى آخر لا الحكومة وضعت أو ساهمت في هذا المشروع، ولا المنتخبين المحليين (مجلس المدينة) ناقشوا أو أبدو رأيهم حتى، وحينما نبحث عن هذا المشروع الضخم الذي ستنفذه جهات معينة تبقى بعيدة عن المحاسبة، في برامج الأحزاب أو البرنامج الحكومي لا نجد له أثر ولا إشارة حتى، ثم كيف لكل هاته الأموال أن تتحرك خارج مؤسسات دستور فاتح يوليوز المجيد ؟ أليس من الأجدى أن تشرف المؤسسات المنتخبة (الحكومة ومجلس المدينة) على هذا المشروع عوض فرض مؤسسات معينة لن تقدم لا حساب ولن تخضع لرقيب ؟

أما عن المعارضة التي تشتغل خارج المؤسسات فهي إما ممنوعة من حقها في التواجد القانوني، أو يتم التضييق على أنشطتها وعملها، وهو ما دفع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمعية كل الطيف الحقوقي على تنظيم يوم احتجاجي ضد تعسف وهجوم السلطة على الجمعيات الحقوقية المغربية، وكل التنظيمات المعارضة التي تنتمي لمختلف الطيف المجتمعي المغربي .

في خلاصة فإن كل الفاعلين سواء الفاعل الحكومي أو البرلماني أو الحزبي، أو حتى ذلك المسمى بالمعارضة من خارج المؤسسات الرسمية، مساحة اشتغالهم ضيقة، حتى توجه لهم كل تلك الانتقادات، خاصة وأنها صادرة عن ملك يتربع على ملكية تنفيذية تضع كل السلط والاختصاصات بين يديه، وسيكون الأمر مقبولا لو أنها صدرت عن ملك يسود ولا يحكم ( الملكية البرلمانية)، تكون في إطارها الاختصاصات والمهام بيد منتخبة توضع تحت المراقبة والمحاسبة .