علي أنوزلا ـ رحل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وترك مملكته على صفيح ساخن. حالة من الاضطراب التي بات يفرضها إعادة ترتيب البيت الداخلي، وحالة من الغليان بسبب النيران المشتعلة على أطراف حدود أكبر مملكة عربية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

ترتيبات البيت الداخلي بدأت حتى قبل أن يوارى جثمان الملك الراحل الثرى، عندما أقدم خَلًفه على تعيينات في مناصب مهمة داخل مملكة مازال فيها الحكم مركزا في يد أفراد أسرة آل سعود التي تحكم البلاد منذ أكثر من ثمانية عقود بلا دستور ولا أحزاب ولا مؤسسات منتخبة. وككل عهد جديد سيكون له أنصاره وخصومه ممن سيفقدون مناصبهم أو ستتضرر مصالحكم، وبالتالي فإن السرعة في ترتيب البيت الداخلي ستكون حاسمة في إعلان القطيعة مع العهد الذي ولى وبداية عهد جديد، هذا إذا ما كان لأنصاره تصورا يحمل في طياته مشاريع لتجديد أسلوب الحكم الذي أثبتت الأيام أنه أصبح يعيش خارج عصره، بل وأصبح جموده يشكل خطرا على استمراره ووجوده.

لقد تعودت الأسرة الحاكمة في السعودية أن تعيد ترتيب أمور بيتها الداخلي داخل مجلس العائلة، وقد نجح هذا الأسلوب في الحفاظ على تماسك ووحدة الأسرة عندما كان تداول الحكم ينتقل مباشرة بين أبناء الملك المؤسس من خلال تحكيم معيار السن قبل كل شيء آخر. لكن تعيين الملك الجديد خليفة لولي عهده من أحفاد الملك المؤسس ربما قد يفتح باب المنافسة بين العشرات من الأحفاد الذين قد لا يستسيغون المعايير التي سيتم اعتمادها مستقبلا في الارتقاء نحو المناصب الحساسة داخل المملكة.

مصاعب ترتيب البيت الداخلي ليست سهلة، خاصة إذا لم يتم التعامل معها كتقسيم لإرث أو توزيع لغنيمة. فأي إصلاح داخلي حقيقي يتطلب الكثير من الوقت والتسويات والتنازلات، وإذا لم يضع أصحابه في حسابهم إعادة النظر في أسلوب الحكم، فإنه ستكون بمثابة تأجيل للصراع الذي سيبقى قائما إلى حين.
والمفارقة أن مواجهة تحديات الخارج تبدأ من التصدي لصعوبات الداخل. وتأجيل الإصلاح من الداخل لم يعد مقبولا تبريره بالوضع الخارجي المحيط بالمملكة، لأنه لا يمكن التعاطي مع تعقيدات هذا الوضع بدون إحداث تغيير في الداخل. فحدود المملكة في الجنوب أصبحت مفتوحة على بلد في حالة انهيار، يتنازع فوق أرضه عدوان لدودان لها، هم الحوثيين الذين يشكلون الطوق الجنوبي للحزام الشيعي الذي يلتف حول خصرها، وتنظيم "القاعدة" الذي يتخذ من جبال اليمن قاعدة لفرعه الذي يحلم ببسط سيطرته على شبه جزيرة العرب. أما حدود شمال المملكة فإنها غير بعيدة عن حمم الحريق السوري، و التشظي العراقي، وتمدد تنظيم "داعش" الذي نصب زعيمه نفسه خليفة على المسلمين، وبات يضع في نصب عينه وصول نفوذه إلى أرض الحجاز. وعلى شرق السعودية فإن حالة عدم الاستقرار في البحرين، وتعاظم دور إيران في المنطقة على ضوء تقاربها مع الغرب، كلها منغصات تهدد استقرار المملكة. وحتى الأنظمة التي دعمها الملك الراحل، مثل النظام العسكري المصري، وعول على مساندتها في حالة الضرورة، مازالت هي نفسها تتخبط في أتون حربها الداخلية ضد شعبها.

ليس الهدف من رسم هذا اللوحة السوداوية تعميق حالة التشاؤم أو تعظيم حالة الخوف التي تعيشها شعوب المنطقة، وإنما المهم هو الوصول إلى تشخيص موضوعي للخروج بقراءة واقعية لمعرفة كيف وصلت المنطقة إلى ما هي عليه اليوم ومحاولة استشراف المستقبل وما يخبئه من مآل مفتوح على كل الاحتمالات.

وليس من قبيل التسرع القول بأن بعض مصاعب المملكة داخل محيط يمور من كل حدب وصوب، كانت نتيجة لبعض الخيارات التي انتهجها الملك الراحل في آخر سنوات حكمه، خاصة بعد اندلاع ثورات "الربيع العربي". فقد دفعت حسابات المربع الأمني النافذ القريب من الملك الراحل المملكة إلى تبني سياسة معادية لطموحات الشعوب التي انتفضت ضد أنظمتها السلطوية والمستبدة في اليمن والبحرين وسوريا ومصر. فمارست المملكة نفوذها على دول مجلس التعاون، أو على الأقل على الدول التي تدور في فلكها، للتدخل عسكريا في البحرين لقطع الطريق على مطالب أغلبية الشعب الذي كان يطالب بإصلاحات سياسية. وضغطت المملكة على دول الخليج لشراء سلامة الدكتاتور اليمني السابق الذي كادت أن تلتهمه نيران ثورة شعبه الشبابية. وكانت أكبر الأخطاء الإستراتيجية في مواجهة انتفاضات الشعوب العربية، هي إقدام المملكة وبعض دول الخليج على عسكرة الثورة السورية، مما أدى إلى ميلاد الغيلان التي يصعب اليوم كبح شراهة جرائمها. ومؤخرا، وليس أخيرا، ضخت المملكة من خزائنها ملايير الدولارات للانقلاب على إرادة الشعب في مصر من خلال أبشع انقلاب عسكري دموي شهده العالم المعاصر.

ولعل من المفارقات المأساوية والماكرة أيضا أن يتزامن رحيل الملك الذي انتهج كل هذه السياسات لمحاصرة الربيع العربي، مع الذكرى الرابعة لأكبر ثروة شعبية سلمية في أكبر بلدي عربي هو مصر، ورغم الثمن الباهظ لهذه السياسات من الأرواح والموارد فمازالت التظاهرات تخرج في كل مدن وقرى مصر ، ومازال الضحايا يسقطون وهو يتحدون آلة القمع بشجاعة وأمل لم تنل منهما كل الإستراتيجيات التي أثبتت إرادة الشعوب نفاذ صلاحيتها.

لقد حان الوقت ليعترف منظرو استرايجية محاصرة "الربيع العربي" فشل تخطيطهم، ومثل هذا الإعلان لم يكن ينتظر لحظة مأساوية مثل رحيل الملك السعودي الذي وضع مقدرات بلاده في مواجهة طموحات شعوب المنطقة. ليس هذا من باب التشفي، وإنما للقول بأن درء مخاطر الخارج لن يتحقق بدون مواجهة مصاعب الإصلاح من الداخل. وهذه تتطلب رؤية جديدة تأخذ في عين الاعتبار احترام إرادة الشعوب لأنها هي الباقية أما الملوك والأشخاص فهم إلى زوال..

***