قبل عشر سنوات كان هناك نوع من التوجّس من الشعبوية التي أخذت تكشر عن أنيابها في الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الديني... وعلى النحو الذي أنتج "وجوها" قيل بأنهما لزعماء ونجوم ومثقفين... "مبشّرين" (وبالفتحة والكسرة معا على الشين المشدّدة) بمقولة "التغيير". وكل واحد من هؤلاء إلا وكان يبلور "خطابا" وجد له متلقّفين متزايدين لأسباب متعدّدة لم تكن كلّها سلبية في البداية بالنظر لملّل المغاربة من "وجوه الحرب الباردة" ذاتها في السياسة كما في الإعلام وأشكال التواصل الأخرى. وبالنسبة للمحلّل والملاحظ لم يكن يملك إلا أن يضع يده على قلبه بالنظر للانزياحات والانفلاتات التي أخذت تلازم خطابات هؤلاء منذ البداية، لأنه مهما كان فالشعبوية لا تخلو من "قواعد" ومن "أخلاق" وعلى النحو الذي يجعلها "ضرورة تاريخية" وإن كانت لا تقدم بدائل أو حتى اقتراحات قابلة للنقاش. وهو ما أصبحنا على حاله الآن وبشكل الذي يطرح أكثر من سؤال حول "إلى أين يسير المغرب؟" وهل من أفق للتحرّر من "البديل الأسود"؟.

يُنسب للمفكر المؤرخ الألمعي عبد الله العروي أن "الزعيم لكي يصير شعبيا فإنه يتسلح بالديماغوجيا". ومن الجلي أن ما يروج، بالمغرب، يدلّ، وضمن ما يمكن أن يدل عليه، أننا أصبحنا نعيش حالة "ما بعد الشعبوية" و"ما بعد الديماغوجيا" التي يفترض فيها أن يخاطب "الزعيم" لا بما يعتقد فيه وإنما بما يعتقد أن "الجماهير العمياء" تفكّر فيه أو تعتقد في جدواه حتى يضمن ولاءها وتبعيتها له.

واللافت أن "الكاريزما" كلمة إغريقية قديمة، وهي تعني ــ وضمن ما تعنيه ــ "موهبة ربّانية أو منحة إلهية"... إضافة إلى كونها تشير إلى جاذبية كبيرة وحضور آسر لبعض الأشخاص وعلى النحو الذي يجعل تعلّق الجماهير بحامل الرسالة أكثر من تعلقهم بالرسالة نفسها. غير أن هذه الكاريزما، ولو في الحدود الدنيا لها، هي ما افتقد إليه حزب "العدالة والتنمية" الذي مكّنه "الربيع العربي" من الوصول إلى ما يسمّى بـ"التسيير الحكومي". لقد بدا جليا أن ما يفتقد إليه الحزب هو "الخطاب" الذي يضمن له نوع من الحضور الفاعل والمقبول، وكما أن حرص "كاريزماه" على التمظهر بمظاهر "التدين" (وليس الدين) وتبادل الأدوار ذاتها في دلالة على نوع من "الانسجام الموهوم"... لم يشفع له أمام نيران "الخطاب النقيض" الملتهبة في تشديدها على لوثة "الاتجار بالدين" و"لا أخلاقية" سياسة تلوك خطابا في هذا الاتجاه.

والسياسة وبمعناها النبيل، وتلك التي عبّرت عنها الفلسفة العربية القديمة بكلمة التدبير، هي ما أصبحنا نفتقد إليه في السياق الضاغط والمضطرب من الاختلاط القيمي والتسطيح السياسي. لم تعد السياسة مجالا للتفاعل وللنقد المسؤول، ولم تعد مجالا للأدوار المتداخلة والمتشابكة وحتى المتصادمة. صارت "مسوخا" و"عنتريات" وإبداعا في البوليميك المجاني... الذي يتمّ التستر به على "الخواء السياسي" وعلى استراتيجيا الاضطلاع بـ"أداء المثقف العام" من داخل "الإنتاجية السياسية".

نحن لا نرغب في الظهور بمظهر المتشفي أو المتحامل على الحزب المشار إليه قبل قليل، لكن "لا شيء يعلو على المراجعة والنقد" كما يقول الفيلسوف كانط. وأما أن يعوّد "الزعيم" المغاربة على "التنقيص" من المرأة مرة (وبما يدل على "الفحولة المفترسة") ومن الشعراء والفلاسفة مرة أخرى (وبما يدلّ على "الكراهية المنفلتة")، في انتظار انزياح قادم، وعبر "حيلة التواصل بالصدمة"، فهذا ما يجعله عرضة للنقد وبما في ذلك النقد العنيف الذي ــ قد ــ يهدّد وجوده الفيزيائي لا قدّره الله لأحد. إن هذا الحزب (الفتي) عليه أن يدرك أن "السمة المطلبية الاجتماعية" هي التي أبلغته إلى ما أبلغته. ولذلك يتوجّب، وعلى الأحزاب بعامة هذه المرّة وبما في ذلك المتربِّصة بالحزب سالف الذكر، أن تميّز ما بين الحركات الاجتماعية في مطالبها الاجتماعية (ملف "أساتذة الغد" تعيينا وبمنطق اللحظة الحارقة) وبين الأحزاب ذاتها في حروبها المفتوحة من أجل الوصول إلى السلطة من أجل "التسلّط" في الأغلب الأعم؛ لأنه مهما كان هناك نوع من "السلطة المنتِجة". ثم إن العنف الفيزيائي، وفائض الوقاحة الكلامية، ليس ناتجا عن السلطة في حد ذاتها بل ناجما عن الناس من الذين تخوّل لهم ممارسة السلطة كما يقول ميشال فوكو الذي قدّم واحدا من أهم الدروس في مجال السلطة وتداولها وانعكاساتها على الجسد البشري.

مرة تحدّث الراحل السوسيولوجي المصري سعد الدين إبراهيم عن "الزعامة الاستبدادية السائدة في الأحزاب التي تعلن عن إيمانها بالديمقراطية"، على أن المشكل لا يتوقف عند هذا الحد... ذلك أن الجماعات تريد أن تحكمنا أكثر من السلطة ذاتها، وفي إطار من التصحّر الثقافي والشقشقة اللغوية والفمفمة الكلامية. نحن لا نخلط ما بين السياسي والمثقف، ولا نرغب في أن يكون السياسي محللا سياسيا كبيرا أو مفكرا سياسيا مكرَّسا... إلا أن مطمح "الكاريزما" لا يشترط ما ينعته الأنجلوساكسون "ثعبان حفرة السياسة"، وإنما يشترط تهوية الخطاب بأفكار وأشعار ومفاهيم عامة... بدلا من الانغلاق في عبارات ركيكة وصادرة ــ ابتداءً ــ عن "ديناميت القبح" و"ماكينات القبحيات"، وبدلا من الانغلاق في "اللغة السياسية، المصمِّمة على جعل الأكاذيب تبدو صادقة، والإجرام يبدو جديراً بالاحترام، لكي تضفي مظهر الحصافة على الهراء البحت" كما يقول جورج أورويل. ولكن الأهم هو أن المجتمعات لا توجد كما يوجد مثل هذا الهراء؟