ننصح جون كيري وزير الخارجية الامريكي بان لا يمضي قدما بخططه الرامية الى زيارة الاراضي الفلسطينية المحتلة في رام الله وتل ابيب، بهدف التهدئة، لان الشبان الفلسطينيين الثائرين يدركون جيدا انه سيأتي، مثل كل مراته العشر السابقة، لانقاذ الاسرائيليين، ولانه يذهب الى العنوان الفلسطيني الخطأ، فالسلطة الفلسطينية التي سيزورها ويلتقي رئيسها، ليس لها علاقة بما جاء من اجله، ولا تمثل الشعب الفلسطيني، وليست لها اي سلطة عليه، ناهيك عن شباب الانتفاضة الذين لا يحترمونها، ولا يعترفون بها، ويعتبرونها متواطئة مع الاحتلال طوال العشرين عاما من عمرها.

هذه سلطة عادت الى غزة ورام الله على ظهر الانتفاضة، ومن اجل منع اي انتفاضات اخرى، و”تخدير” الشعب الفلسطيني بوعود سلام كاذبة، تحت مسميات “الاعتدال”، وكسب الرأي العام العالمي، وتحييد القوة الامريكية اذا لم يتأت كسبها.

هؤلاء الشباب الثائرون في القدس، وباقي المدن الفلسطينية المحتلة، لا يعترفون باتفاقات اوسلو، ولا يثقون بمن وقعها او التزم بها، ولا يعتمدون على راتب سلطتها “الرشوة”، ويعتبرون التنسيق الامني مع الاحتلال خيانه، ويرفضون كل خطوط التقسيم للشعب الواحد وارضه، الخضراء او الحمراء، او القدس تسميات الشرقية والغربية، ويرفضون سلام سلام فياض ـ بلير الاقتصادي، ولا يعترفون بكبير المفاوضين، او صغيرهم، انهم عالم آخر مختلف، ليس له علاقة بمحيطه المتخاذل.

***
هؤلاء الشباب والشابات لا ينتمون الى ارث الرئيس عباس وسلطته، ولا يشاهدون تلفزيونه، ولا يقرأون صحفه، ولا يستمعون الى خطاباته، وانما الى ارث الحاج امين الحسيني، والشيخ عز الدين القسام، واحمد الشقيري، وصلاح الدين الايوبي، وتحمل جيناتهم اطنانا من الكرامة والشهامة، وعزة النفس والوطنية الحقة.

عشرون عاما من الانقسام الفلسطيني ذابت، وتبخرت، وتحولت الى وحدة وطنية شامخة، مشرّفة ينضوي تحت مظلتها الجميع دون تمييز او تفرقة، في رحاب الاقصى، ودون اي مؤتمرات، او لقاءات، او مفاوضات مصالحة، او مؤتمرات صحافية في هذه العاصمة او تلك.. شابات يلبسن الجينز يقدمن الحجارة الى ملتحين.. محجبات يقدمن السكاكين الى شباب ملثمين ليبراليين، ولا احد يستطيع ان يعرف من هو المسلم، ومن هو المسيحي.. من هو الاسلامي، ومن هو الليبرالي.. لله درهم.

لا نحتاج الى استطلاعات رأي لكي نعرف ان الغالبية الساحقة من الفلسطينيين تخلصوا من وهم حل الدولتين، وتعافوا من فيروس النفاقين الامريكي والغربي، وباتوا يعتقدون ان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، كل فلسطين، فنحن امام نسيج مختلف يجّب كل ما قبله من ممارسات ومفاهيم بالية.

اليس من العار ان يتصل نتنياهو بحلفائه العرب للتدخل للتهدئة، واين.. في اوساط المرابطين، مشاريع الشهادة الذين يدافعون عن المسجد الاقصى، ويضحون بأرواحهم لمنع تهويده؟ اليس من العار الاكبر ان يستجيب له هؤلاء فورا دون تلكؤ؟
ما هي علاقة هؤلاء الحكام بالاقصى وفلسطين؟ بل ما هي علاقتهم بالكرامة؟ وما هي اوراق ضغطهم على الشعب الفلسطيني؟ الجيوش التي باتت تقاتل في كل مكان الا على الجبهات الفلسطينية؟ ام المال الذي تطفح خزائنهم به؟ ان نفقات شهر واحد من حروبهم في سورية واليمن وليبيا، تعادل كل ما قدموه للقضية الفلسطينية على مدى ربع قرن، ان لم يكن اكثر.

نتحدى ان يقدم لنا نتنياهو، او حلفاؤه، دليلا واحدا يؤكد استنجاد هؤلاء الشبان بأي زعيم عربي، او حكومة عربية؟ او رفع علم آخر غير العلم الفلسطين؟ نعلم جيدا انهم لن يجدوا اي دليل، وهذا هو سر قوتهم وصلابتهم وتميزهم واختلافهم، ورعب الاسرائيليين وداعميهم في الغرب منهم.

استطلاعات الرأي تقول لنا ان 73 بالمئة من الاسرائيليين غير راضين عن تعامل نتنياهو مع شبان الانتفاضة، ويفضلون افيغدور ليبرمان، ونفتالي بينيت العنصريين عليه كرئيس للوزراء، هل يطالع باراك اوباما (امريكا) وديفيد كاميرون (بريطانيا)، وانجيلا ميركل (المانيا)، وفرانسوا هولاند (فرنسا)، هذه الاستطلاعات، وهم الذين يقفون دائما في خندق العدوان الاسرائيلي، ويدركون اين اوصلتنا، واوصلت العالم، سياساتهم هذه؟ ومذا فعلت خرائط طريقهم، ومبادرة السلام العربية التي فرضوها بالاسرائيليين؟
ماذا يستطيع ان يفعل ليبرمان اكثر مما فعله نتنياهو؟ ان يقتل المزيد من الشبان العزل؟ ان يسلح المستوطنين بصواريخ “باتريوت”، او “كروز″ وقنابل نووية لقتل الفلسطينيين، وكأن بنادقهم الآلية لا تكفي؟ ان يطرد مليون ونصف المليون فلسطيني الى الضفة الغربية او الاردن؟ فليجرب حظه مع هذا الشعب العظيم وسنرى.

والله.. لو ابعدوا الفلسطينيين الى الصين، سيعودوا اليهم بالملايين، بالحجارة والسكاكين والبنادق، لتحرير ارضهم.. الم يشاهد هؤلاء كيف ارتدت التدخلات العسكرية الاوروبية والامريكية في العراق وليبيا وسورية على اصحابها هجرة وارهابا؟

***
ليعلم نتنياهو وكل العنصريين الارهابيين الاسرائيليين ان الزمن تغير، بل ويتغير بسرعة، ولم يعد بمقدورهم خداع العالم، مثلما فعلوا، ويفعلون منذ اكثر من مئة عام.. فسيطرتهم على عقول الرأي العام الغربي من خلال الهيمنة على وسائل الاعلام تتآكل.. فالعالم لم يعد يعتمد على “سي ان ان”، وبي بي سي”، و”نيويورك تايمز″ لمعرفة ما يجري.. فاذا كانت “الدولة الاسلامية”، التي لا يزيد عمرها عن عامين، قد دوخت امريكا واوروبا.. وسيطرت على وسائط التواصل الاجتماعي، وانتجت افلام رعب فاقت هوليود في تأثيرها، وباتت تسيطر على 50 الف حساب على “التويتر”، وضعفها على “الفيسبوك”، وتغرد بأكثر من مئة الف تغريدة يوميا، فاين هي اسرائيل من كل هذا؟ واين تفوقها الاعلامي الذي اشهرت سيف ارهابه وتضليله، طوال الاعوام الماضية، وليعلن نتنياهو ايضا ان حروبه وعدوانه على قطاع غزة وجنوب لبنان لم ترهب العرب بل ارهبت الاسرائيليين وارعبتهم، فالزمن تغير والاجيال الجديدة مختلفة جدا.

لا يملك الفلسطينيون مواسم سياحية.. ولا استثمارات خارجية؟؟ ولا وادي السيليكون الرقمي.. ولا ناطحات سحاب.. ولا ارصدة.. لا شيء على الاطلاق، يخافون منه او يخافون عليه، يملكون ارصدة هائلة من الكرامة والرجولة والرغبة في الشهادة، مثلما يملكون حقا راسخا لن يتنازلون عنه مطلقا، ومستعدون لدفع ثمن استرداده مهما ارتفع، ومهما طال الزمن.

هؤلاء الشبان هم ملح الارض المقدسة.. وعنوان الرجوله والشهامة، وسيغيرون كل المعادلات في المنطقة العربية، وليس فلسطين المحتلة فقط.. فقد خرج المارد من القمقم، ولن يعود حتى تتحقق كل مطالبهم العادلة في السلام الحقيقي، وعلى السماسرة ان لا يتدخلوا ويقفوا جانبا، فهم غير مرحب بهم عندما يتعلق الامر بقيم لا يمتلكونها.