كل شيء يشبه أحد الأفلام الأميركية حول المافيا، التحقيق الذي يستمر عدة سنين، الوثائق السرية المسربة التي تكشف عن حجم الفضيحة، عملية إخراج القبض على كبار أعضاء العصابة، الشهود الذين يشعرون بتأنيب الضمير بعد سنوات من الصمت، ويقررون الخروج من العتمة، رائحة المؤامرة التي تزكم الأنوف، التوقيت المدروس بدقة، وحبكة الإخراج والتشويق الذي يشد الانتباه ويحبس الأنفاس.

لا يتعلق الأمر بأحد أفلام هوليوود المتخيلة، وإنما بفيلم واقعي، أبطاله هم كبار موظفي الاتحاد الدولي لكرة القدم، المعروف اختصارا باسم "الفيفا"، وهو مازال في بدايته، ومخرجوه يعدون الجمهور بمزيد من المفاجآت، وحبكته تخفي أسراراً كثيرة، والنهاية ستتوج البطل الأميركي الذي ينتصر للخير على قوى الشر.

ومن محض المصادفات وسخرية الأقدار أن يتزامن اندلاع الفضائح المالية التي تشتعل نيرانها اليوم داخل بيت "الفيفا" مع خروج فيلم من تمويلها، يلمع صورتها، وبطله ليس سوى شخصية رئيسها المستقيل تسيب بلاتر الذي يقدمه الفيلم كالرجل الضرورة، فعالاً وصعب المراس في الوقت نفسه. وقد حمل الفيلم عنواناً جعل الصحافة الأميركية تسخر منه هو "العواطف المتحدة" (يونايتد باشنز)! فيما تكشف تفاصيل الفضيحة عن "مصالح متحدة"، هي التي كانت تجمع بين كبار موظفي الاتحاد الدولي لكرة القدم.

لقد أفقدت هذه الفضيحة "الفيفا" الكثير من صدقيتها وهيبتها، ووضعتها في وضعٍ لا يحسد عليه، تكاد لا تختلف عن أية منظمة مافيوزية، حيث يسود منطق "نقابة عصابات الجريمة المنظمة" التي تمارس الابتزاز، ويتسم عرابها وكبار أعضائها بالفتوة والتفاخر العدواني والتبجح المستفز.

وعلى الرغم من كل المساوئ التي ألحقتها هذه الفضيحة بأحد أكبر الاتحادات الرياضية وأغناها في العالم، فقد حبلت بمفارقات إيجابية وسلبية كثيرة، تحمل بين طياتها دروساً عديدة. فقد كشفت الفضيحة عن أهمية دور العدالة العابرة للدول والقارات، إذ يعود الفضل في تفجيرها إلى القضاء الأميركي، وبطل هذه الفضيحة العالمية قاض أميركي مغمور يبلغ 71 عاماً، يدعى ريموند ديري، تقول "رويترز" إنه "قضى عقوداً وهو يتعامل مع قضايا الأشقياء من رجال العصابات". وطبقاً لشهادات محامين سبق لهم التعامل معه، أوردتها الوكالة العالمية، فإن هذا القاضي "يحظى باحترام كبير وبالنزاهة ورباطة الجأش، وقليلاً ما ينفعل". وهنا، تبرز أهمية دور القضاء عندما يكون مستقلا ودور قضاته عندما يتحلون بالنزاهة والشجاعة.

ومن خلال ما كشفت عنه التحقيقات، فإن المشتبه فيهم بتلقي رشى هم من كبار الموظفين والرشى بملايين الدولارات، وتقول تقارير وزارة العدل الأميركية إن 14 شخصا في "الفيفا" يتهمهم المحققون الأميركيون بتهم فساد، تلقوا رشى وعمولات، تقدر بأكثر من 150 مليون دولار في 24 عاما. والمفارقة أن معدل أجور كبار موظفي "الفيفا"، حسب تقارير متطابقة، تصل إلى 240 ألف دولار سنويا! ولا يمكن تفسير مثل هذا التصرف إلا بأنه سلوك مرضي ينم عن جشع هؤلاء الموظفين، وأغلبهم من كبار السن في عقدهم السادس أو السابع. وتكبر الإدانة عندما تكشف التحقيقات أن تلك الرشى الضخمة تسلمها أصحابها بدعوى صرفها في برنامج لدعم رياضة كرة القدم في مناطق فقيرة، بينما استقرت في حساباتهم البنكية في سويسرا والباهماس، للتهرب من الضرائب.
المفارقة الأخرى التي تكشف عنها تفاصيل هذه الفضيحة أن كل شيء يصبح مباحاً من أجل بلوغ الهدف، حتى لو تعلق الأمر بصفقة أسلحة، مقابل صوت لدعم ملف ترشيح دولة ضد أخرى. وتكبر المفارقة عندما تكون الدولة المنافسة التي ستخسر ترشيحها توصف بـ "الشقيقة" من جانب الدولة التي تبيع صوتها للقوي مقابل صفقة أسلحة. تفعل ذلك ضد كل قيم "الأخوة" و"التضامن" وهلم جرا من الشعارات التي يزخر بها الخطاب الرسمي العربي!
مفارقة أخرى تسلط هذه الفضيحة الضوء عليها، ويتعلق الأمر بتواطؤ النظام المصرفي العالمي الذي أتاح لشركات وهمية نقل أموال رشى حول العالم، وقد أوردت التحقيقات اسم 26 بنكاً عالمياً، منها مؤسسات مالية أميركية وبريطانية كبرى، قامت بحماية الفساد والتستر عليه ودعمه وتسهيل أنشطته.
"
الرياضة كانت ويجب أن تظل منهجا لتلقين القيم والأخلاق الرفيعة، وهذه القيم والأخلاق هي التي ضحى بها كبار موظفي أكبر اتحاد دولي لأكثر الرياضات شعبية في العالم
"
أما الدرس الذي تعلمنا إياه هذه المفارقة فهو الشك في شفافية النظام المصرفي المالي العالمي وعجز القوانين المحلية والعالمية الحالية عن محاربة الفساد المالي، وضمان شفافية المعاملات المالية العابرة لحدود الدول. والدرس البليغ الآخر الذي تعلمنا إياه هذه الفضيحة أن نبدأ، من الآن، بالشك في نزاهة المنظمات الدولية وصدقيتها، مهما علا شأنها، فما حصل في "الفيفا" يمكن أن يحدث في أية منظمة دولية، تتنازعها مصالح الدول والأشخاص.

جعلت هذه الفضيحة "الفيفا" تختزل اليوم كل مساوئ المجتمع الرأسمالي، أي اللهاث وراء المال، واستشراء الفساد، وعمليات غسل الأموال، والعمولات، والصفقات، والتهرب الضريبي، والجريمة المنظمة، والتسلط، وديكتاتورية الرئيس الديمقراطي.

وأخيرا، هذه الفضيحة بكل تداعياتها شوهت كل القيم الجميلة التي ترمز إليها الرياضة، مثل: الجمال، والنبل، والتطوع، والنزاهة، والشرف.

وإذا كان من إيجابيات لهذه الفضيحة فإنها جاءت لتنبهنا إلى أن كرة القدم لم تعد رياضة بالمعنى النبيل الذي تختزله قيم الرياضة، لأنها تحولت إلى صناعة وتجارة ومقاولة تبحث عن الربح، فالأندية والفرق الرياضية لم تعد تحمل مما هو قومي ووطني أي شيء، الرساميل واللاعبون والمدربون كلهم، أو أغلبهم، من الخارج مستعارون أو مشترون أو مأجورون. وألوان الأقمصة وشعاراتها تحمل علامات تجارية عالمية، أما الجمهور المخدر فأصبح يُساق، كالقطيع، وراء الشعارات، ويمجد العنف الرمزي والواقعي أحيانا. ولعل هذا ما يفسر تعلق الناس بالألعاب التي تشبع الرغبة العدوانية لدى البشر، ويتجسد هذا حتى في الكلمات التي يستعملها المعلقون الرياضيون، وتحيل على قاموس الحروب، من قبيل: الهجوم والدفاع والانتصار والهزيمة والخسائر والتسلل والاختراق والمراوغة والانتقام والخطط والقذائف والصواريخ.
حان الوقت ليس فقط لتنظيف "الفيفا" وإصلاحها، وإنما أيضا لإعادة القيم الرياضية النبيلة إليها، فالرياضة لم توجد لتكون وسيلة لغاية أخرى، فهي، في حد ذاتها، وسيلة وغاية لترويض النفس، قبل أن تكون حصدا للألقاب، أو كسبا للأموال. الرياضة كانت ويجب أن تظل منهجا لتلقين القيم والأخلاق الرفيعة، وهذه القيم والأخلاق هي التي ضحى بها كبار موظفي أكبر اتحاد دولي لأكثر الرياضات شعبية في العالم.