لم تتوقف الاحتفالات التي بدأت منذ مساء الجمعة، في البلدان العربية بفوز السيد صادق خان بمنصب عمدة لندن الكبرى، وهو المسلم ابن سائق الحافلة الباكستاني الأصل، الذي عاش معظم طفولته وشبابه في منزل حكومي، تقدمه الدولة مساعدة للفقراء والمعدمين.
كثيرون لم يتوقفوا عند معنى هذا الفوز من قبل هذا الشاب الذي انطلق من القاع حتى وصل إلى القمة، في رحلة تميزت بالمعاناة والعمل الدؤوب في مجتمع رأسمالي، وبيئة غير إسلامية، وثقافة مختلفة.
كلمة السر في رأينا تكمن في المساواة، وسيادة القانون، وغياب العنصرية، بل ومحاربتها واجتثاثها من جذورها، واحترام حقوق الإنسان، وحقوقه كاملة، وأبرزها العدالة الاجتماعية، والحريات بمختلف أشكالها، وعلى رأسها حرية التعبير، والحق في النجاح أيضا.
جميع هذه القيم والثوابت غير موجودة في الغالبية الساحقة من بلداننا العربية والإسلامية، ولهذا يتحين أبناؤها أقرب فرصة للهجرة بحثا عن حياة لائقة بعيدا عن الاضطهاد والقمع والعنصرية، حيث يجدون البيئة الحاضنة التي توفر لهم فرص النجاح والابداع.
علينا أن نتخيل لو أن والد صادق خان “حالفه الحظ” وهاجر إلى أحد الدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص، لإن الأخيرة تضم بين ثناياها الملايين من أبناء الجاليتين الهندية والباكستانية، فكيف سيكون حال هذا المهاجر الباكستاني ومستقبله.
أولا، كان عليه أن يخضع إلى سلطة “الكفيل” الذي يقدم فور وصول والده إلى مصادرة جواز سفره، ووضعه في خزينة الشركة الحديدية المحكمة الاغلاق، والبحث عن مدرسة خاصة هندية أو باكستانية لتعليم أولاده، لأنه ممنوع عليهم التعليم في مدارس الحكومة، وإذا مرض هؤلاء الأولاد فلا بد من ضمان صحي خاص، لأن معظم المستشفيات الحكومية ممنوعة عليهم أيضا، وإذا ذهبوا إليها فالزجر والإهانات، ودواء درجة ثانية، غير الدواء الجيد، المخصص لأولاد البلد فقط.
طبعا سيقيم والد صادق خان في الدول الخليجية، أربعين عاما، وربما أكثر، دون أن يحصل وأولادة على إقامة دائمة، ناهيك عن الجنسية، بالتالي الحقوق السياسية والانتخابية، ويتساوى السيد خان الباكستاني مع الملايين من العرب الآخرين، مسلمين كانوا، أو مسيحيين، شيعة أو سنة، وكذلك ملايين الأجانب من مختلف بقاع الأرض.
المجتمعات الغربية تقدمت ووصلت إلى ما وصلت اليه من قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، لأنها حاربت العنصرية بكل أشكالها، وساوت بين مواطنيها أمام القانون، وفي فرص العمل، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو لونهم.
الذين يحتفلون بفوز السيد خان الذي إستحقه لكفاحه وعصاميته، ودخوله في المؤسسات السياسية والاجتماعية، والتفوق العلمي، خاصة أولئك في الإعلام العربي، عليهم أن لا يتوقفوا عند القشور، ويمارسوا العنصرية نفسها في الإحتفال، لأن الرجل مسلم، وليس لانه انسان من اسرة فقيرة متواضعة، وفرت له المساواة والتعايش هذه الفرصة.
صادق خان سيدخل التاريخ من الباب نفسه الذي دخل منه باراك اوباما، الرئيس الامريكي، مع تسلمينا ببعض الفوارق، وعلينا أن نتذكر دائما أن كل هذا تحقق بسبب المساواة وسيادة القانون، وأمامنا كعرب الذين نعيش حاليا أسوأ أنواع التحريض الطائفي والعرقي، وبين أبناء الديانة الإسلامية الواحدة، طريق طويل جدا للوصول إلى هذه القيم والثوابت الأساسية التي نص عليها ديننا الحنيف.
مبروك للسيد صادق إنجازه الكبير هذا، ولا عزاء للطائفيين والعنصريين العرب، أيا كان موقعهم في القمة او القاع.