تعرفت إلى عبد الرحيم الجباري، المؤرخ والإنسان، في الوقت ذاته الذي تعرّفت فيه إلى الجزء الأول من كتابه أو بالأحرى مشروعه الذي آثر أن يعنونه بـ"تاريخ أصيلا". وهو المشروع الذي أرجأ الكتابة في أدغاله، وكما يبدو، إلى فترة "التقاعد"... في دلالة على ما تستلزمه الكتابة من نوع من "التفرغ المطلق"، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوع مركّب ومتداخل على الرغم من بساطته الظاهرية أو الخادعة. وهو المشروع الذي سيأخذ في التدافع منذ صيف العام 1999، وبطريقة تدعو إلى تقدير الرجل على مجهوده الصادق والنبيل والبعيد كل البعد عن الادعاء والتعالي. ولا أخفي أنني، وكآخرين، وداخل أصيلا بخاصة، قرأت الكتاب الأول من المشروع، بكثير من "التحيّز" (الموجب، طبعا)، بل وقدّمته، بأصيلا ذاتها، يوم كنت أرأس فرع اتحاد كتاب المغرب بالمدينة. ونشرت مقالا عن الكتاب في الصحافة المكتوبة في دلالة على نوع من "التحية الرمزية" للرجل الذي آثر أن يضحي ببعض الأولويات، وخصوصا في مثل محيطنا الاجتماعي اليومي الضاغط والمعاكس، لفائدة الكتابة المقرّبة عن "أصيلا" التي رأى النور فيها العام 1943. وهو ردح زمني يسمح للمرء بأن يكون "شاهدا" على الكثير من التبدُّلات والتقلبّات بل والانقلابات أيضا، وفي الوقت ذاته يسمح له بأن "يتكلم" عن المدينة الصغيرة الغافية على شاطئ الأطلسي، لكن على إيقاع "أرشيف ضخم" بسبب من انغراسها الأفقي في نص التاريخ المسترسل والصعب.
ولم تكن المدينة، في يوم من الأيام، وعلى شاكلة جميع "المدن المتحوّلة" لا "الكبسولية"، ورغم ركودها الظاهر، محط إجماع أو ــ بلغة ملطّفة ــ محط نظرة موّحدة، وسواء على صعيد الموقف أو على صعيد السند النظري/ المنهجي العائم والداعم للموقف ذاته. وتلك هي حال المدن الصغيرة/ الكبيرة، القديمة/ الجديدة، بل تلك هي حال التاريخ الذي يظل في حاجة إلى من يدافع عن أرسطو ضد أفلاطون في أحيان ومن يدافع عن أفلاطون ضد أرسطو في أحيان أخرى... في دلالة على "مكر التاريخ"، لكن بالمعنى الذي يحيد، وعلى صعيد الانخراط في مطمح كتابة هذا الأخير، عن وهاد "الحروب المقيتة" و"الحقارات الدنيئة". فكتابة التاريخ لا تستجيب للغة الوثوقية ولليقينيات العمياء. ثم إن التاريخ يظل في حاجة إلى من يعيد كتابته باستمرار كما يتصور غوته؛ والكتابة، هنا، تلتبس بالتاريخ ذاته بمعناه "التقدمي".

وميزة كتابات الجباري، ورغم مظهرها المتقشف، وقبل ذلك "الإخباري"، وما أصعب الإخبار كذلك؟، أنها تنأى عن ما يسميه الرطان النقدي المعاصر بـ"العكازات النظرية" و"الأرائك المفاهيمية" و"الباكاج المعرفي"... وغير ذلك من أشكال الادّعاء التي تحشر أصحابها، ودون وعي منهم، في الأغلب الأعم، في إسار من "المزاودة الأكاديمية المجوفة" التي لا ترقى إلى أن تخطف أو بالأحرى أن تفرض احترامها على المجموعات القرائية المختلفة... وقبل ذلك، وهذا هو الأهم، أنها لا ترقى إلى خدمة موضوعها وبالتالي الإسهام في "البناء الثقافي" الذي لا يفارق "حدث التأريخ" ذاته الذي لا يفارق بدوره "صيرورة الحقيقة" و"إيجابية الحدث" ذاته كما تحدث عن ذلك المؤرخ المغربي الألمعي عبد الله العروي في مصنفه "العرب والفكر التاريخي".

كتابات الجباري تتكئ على الكتابة ذاتها في عريها المقصود والمصاحب والملازم... الذي يفضي إلى مقاصده دون لف أو دوار، لا سيما وأن مرتكز "الصدق" (سالف الذكر، وحتى بمعناه الأخلاقي كذلك) يفعل فعله على مستوى "التسرُّب" في "مجرى الكتابة" وهي تسعى إلى "تدوين موضوعها" المتمثل بوجوه المدينة وأمكنتها وهوامشها... أو بكلمة جامعة: "ذاكرتها". هذا وأن الكتابة، بدورها، هنا، تتأطر ضمن "عمل الذاكرة" الذي يعلو على هاجس التوثيق بمعناه الصنمي والخرافي. ومن ثم منشأ ما يمكن نعته بـ"نص الجباري" بخصوص أصيلا، ذلك النص الذي يتكشّف عن تداخل الذات والموضوع على أساس من "مرتكز المحبة" الذي يمكن تأطيره ضمن إواليات "التناص الموجب" أو "التذويت المحمود" الذي تنصُّ عليه بعض تيارات الدراسات التأويلية. ولا أتصور أن أحدا بإمكانه ادعاء امتلاك نص أصيلا بدليل قياس، ومن حيث هو قياس نافر، "أسطورة المفتاح الواحد" الذي يدّعي فتح جميع الأقفال، وهي أسطورة شائخة ومهترئة في آن. وكتابات الجباري، ومسلكياته الشخصية المميزة، كما يعرف الأصدقاء، جديرة بالتأكيد على هذا النوع من "الفهم". وفي هذا الصدد تبدو أهمية كتاباته الموازية من ناحية التصدي، وهذه المرة، لـ"بيلدوزر النسيان" كما تنعته الدراسات ما بعد الكولونيالية. النسيان الذي يسعى إلى أن يلوي بأمكنة ووجوه... أو تفاصيل عادة ما يحتقرها المؤرخ "العالِم" (من "الثقافة العالِمة" التي تضاد ما ننعته ــ تحقيرا ــ "الثقافة الهابِطة" أو "الشعبية"، رغم الالتباس الذي يطال المفهومين معا).

فالجباري يكتب بدافع من الرغبة في نفض، طبقات، الغبار والصدأ عن جوانب من ملف "أصيلا" في أفق تقديم صورة متعينة تبدو لاقطة وحاصدة ومنسجمة. وعلى هذا المستوى يبدو أنه بدل مجهودا بالغا في سياق النبش والتنقيب والتوثيق... ودون التخلي عن مرتكز أو فضيلة الإنصات التي لا يقوى عليها كثيرون بدعوى "التعالم" التي هي دعوى "قشور العلم" التي تتهدد العلم أكثر من "الجهل المطبق" كما تصوّر رواد التنوير من العرب. ومن ثم قصة "التاريخ الشفوي" التي تبدو لنا متضمنة في منجز الرجل، تلك القصة التي لا فكاك منها. وكما قال ابن خلدون "هناك ما وقع، وهناك ما يروى". وهكذا يطفو مكون "السرد" في الكتابة التاريخية ذاتها، ولا سيما في منظور الوعي الثقافي المتفتح الذي لا يكترث بالنظرة التراتبية للأشياء. ولذا وجدنا مؤرخنا يتحدث عن التعليم (بالمدينة) تارة وعن التشكيل تارة أخرى، وعن التنظيم الحزبي في حين وعن مقابر المدينة في حين آخر... هذا بالإضافة إلى حديثه عن الأعلام (وبما في ذلك الأمكنة) المهيمن والغالب داخل العمل. وفي هذا السياق أمكننا أن نفهم "الخليط المثمر" الذي تقدّمه كتابات الجباري.

وهذه الرغبة الحارقة، والصامتة، في تقديم صورة متكاملة هي التي دفعت بالرجل، في تصورنا، إلى أن يخوض في موضوع "أصيلا في الشعر" كما آثر أن يعنون بذلك الجزء الرابع من مشروعه "تاريخ أصيلا" الذي حصل لي شرف التقديم له كما كنت قد قدّمت، من قبل لديوان أستاذنا الجليل الشاعر مغيث البوعناني رحمه الله هو الآخر وتغمده بواسع رحمته. هذا وإن كنت على معرفة مسبقة بالجهة التي نشرت الكتاب لما كنت قد أقدمت على التقديم الأخير. ولا أستغرب أن يكتب مؤرخا في موضوع الشعر، وخصوصا في مدار المؤرخ المشغول بصياغة نسقه المخصوص الذي لا يستجيب لمنظور الناقد الأدبي المشغول، في المقام الأول، بالتفكير، والصارم في أحيان، في تمظهرات "الجمالي" على الرغم من محاولات تتبع المحمول أو تمظهرات الموضوعي (من الموضوع الأدبي). ولا غرابة أيضا في أن يخوض المؤرخ في الشعر بسبب من الشعر ذاته الذي لا يخلو، ورغم منحاه التخييلي، من دلالات تلتبس، وعبر إواليات "التأثر المتبادل"، بنص التاريخ ذاته.

وعلى هذا المستوى الأخير فالمدن، ومن ناحية الحضور في الغواية الشعرية، تتفاوت تبعا لتفاوت ذاكرتها. غير أن أصيلا ليست من المدن "القاحلة" و"الشاحبة" وبدءًا من جغرافيتها (بشقيها الخلفي والأمامي) التي تحفِّز على الدفق الشعري والتشكيلي والجمالي بعامة. ومن ناحية الشعر لقد برع الرجل في تقليب ركام من النصوص والأعمال الشعرية المتفاوتة بحثا عن "النص الأمثل" أو النص الذي هو جدير بأن يعكس أصيلا. وليس من شك في أن "الحس الإخباري" فرض على الرجل أن يشدّد على صنف خاص من النصوص، بل إنه استدرج هذه النصوص إلى "أعز ما يطلب". نصوص تستجيب لمفهوم المرحلة الثقافية والتاريخية بمعناه الممتد لا المحصور. ومن ثم كانت النصوص، نصوصه، متباعدة من الناحية الزمنية حتى وإن كان الرجل شدّد، وبحكم مرجعيته، على النصوص الكلاسيكية. والكلاسيكية، هنا، بمعناها الثقافي التصنيفي الرحب لا الأدبي المذهبي الضيق. وصحيح أنه لم يستحضر شعراء آخرين، وهذه نقطة أخرى. غير أن ما توقف عنده أو بالأحرى انتقاه جدير بتقديم صورة عن أصيلا في دنيا الشعر والشعراء.

إجمالا إن الكتاب مكتوب بنبرة المؤرخ، ثم إن الحواشي والشروح والتراجم... بدورها أسهمت في استراتيجيا التأريخ. وسواء اتفقنا مع الرجل أو اختلفنا معه فإننا لا نملك إلا أن نشكره جزيل الشكر على مجهوده الصامت الذي يقوم به لفائدة المدينة ذاتها ومن خارج دائرة "الكاتالوكات السياحية" التي لا تفعل سوى أن تسهم في تسميم المناخ الثقافي الذي من المفروض أن نحترمه وبشكل جماعي وتعددي.

وما أحوجنا مكتباتنا إلى مثل أعمال عبد الرحيم الجباري التي قد تتعاظم أهميتها أكثر مع مرور الزمن. وتلك هي أصيلا التي لا يخطئها الشعر والتاريخ معا.

رحم الله أستاذنا الودود والهادئ
وإنا لله وإنا إليه راجعون

(*) نعيد نشر هذا النص كتحية للأستاذ الراحل عبد الرحيم الجباري الذي غادرنا إلى دار البقاء.