أحمد بن الصديق

في الخطاب الذي قرأه باسمه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس 25 سبتمبر، شن الملك محمد السادس هجوما لاذعا على التصنيفات والمؤشرات التي تعتمدها التقارير الدولية في مجالات عدة، ويتم بموجبها الحكم على مستوى تقدم البلدان وتأخرها، حيث تضمن الخطاب هذه الفقرة:
"إن الاستقرار لن يتحقق بدون تنمية. كما أن التنمية لن تستقيم بدون استقرار. وكلاهما مرتبط باحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وثقافة وعادات شعوبها، وبتمكينها من ظروف العيش الحر الكريم. كما أن عملية تنقيط وتصنيف هذه الدول، حسب المعايير المعتمدة حاليا، تثير العديد من التساؤلات. فقد أبانت عن محدوديتها، وعن بعدها، في الكثير من الأحيان، عن واقع دول الجنوب، وعجزها عن تقديم صورة موضوعية عن مستوى التنمية البشرية بها."

كما هاجم الخطاب الدول الغربية على العموم، والمؤسسات الغربية التي تنشر التقارير والتصنيفات قائلا: " بل إن الدول الغربية، والمؤسسات التابعة لها، لا تعرف سوى تقديم الكثير من الدروس، وفي أحسن الأحوال بعض النصائح. أما الدعم فهو ضعيف جدا ودائما ما يكون مشروطا. فتطور الدول لا ينبغي أن يخضع لأي تنقيط أو تصنيف. وإنما يجب التعامل معه كمسار تاريخي، يقوم على التراكمات الايجابية لكل بلد، ويحترم خصوصياته."

في اليوم الموالي، الجمعة 26 سبتمبر، ترأس الملك بالدار البيضاء حفل تقديم المخطط للتنمية2015-2020المخصص للدار البيضاء الكبرى، وذلك، كما يقول والي الدار البيضاء خالد سفير، تجسيدا لتوجيهات الملك وانطلاقا من خطابه يوم 11 أكتوبر 2013، حيث شرح الوالي أن المخطط ساهم في بلورته 600 مشاركة ومشاركة وفق مقاربة شمولية تشاركية وخلاقة انخرطت فيها جميع الفعاليات من مجالس منتخبة، وإدارات ومؤسسات عمومية، وجامعات وفاعلين اقتصاديين وثقافيين، ومجتمع مدني، وتمثيليات حزبية ونقابية.

خلال الحفل، قام الوالي بتقديم عرض بتقنيةPowerpointتضمن العديد من المؤشرات الدولية تعتمد التصنيف والتنقيط الدولي، ومن لوحاته على الخصوص كما ظهر على نشرة الأخبار المسائية لنفس اليوم لوحة تتضمن هذا العنوان "تصنيف حاضرة الدار البيضاء حسب المؤشرات الدولية"، وذلك لأجل مقارنتها مع مدن عالمية، كما ورد على لسان الوالي.

وهكذا بسط العرض بالتفصيل المؤشرات التي سيعتمدها المخطط على مدى خمس سنوات حسب المجالات المعنية، كما يتبين من اللوحتين التاليتين:
1. في مجال نمط العيش:
- مؤشر جودة العيش لمؤسسة Mercer
- مؤشر العيش الرغيد لمؤسسة Economist Intelligence Unit
2. في مجال البنيات التحتية:
- مؤشر التنافسية العالمي لمؤسسة The World Economic Forum

3. في مجال الازدهار الاقتصادي:
- مؤشر مناخ الأعمال Doing Business لمؤسسة البنك الدولي وIFC
- مؤشر المراكز المالية العالمية لمؤسسة Z Yen
4. مجال التنشيط والترفيه
- مؤشر ترتيب المدن وفقا لإنفاق الزوار لمؤسسةMasterCard

ثم أضاف الوالي مخاطبا الملك: "كما نتطلع يا مولاي للرفع من مؤشر التنمية البشرية وتمديد متوسط إقامة الزائرين والسياح".

لا شك أن توفر المدينة التي تمثل القلب الاقتصادي والمالي للمغرب على مخطط تنموي أمر إيجابي في حد ذاته، علما أنها تستأثر أيضا بنصيب لا بأس به من ساكنة البلاد. ولاشك أيضا أن تتبع إنجاز المشروع يستلزم التوفر على أدوات ومؤشرات للقياس. 

إلا أن المؤشرات التي تم اعتمادها، والتي تنطبق على الدول كما تنطبق على المدن والجهات، كلها صادرة عن مؤسسات دولية بل عن مؤسسات تعتبر من رموز الهيمنة المالية الغربية كالبنك الدولي وماستر كارد والمنتدى الاقتصادي العالمي، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع الانتقادات اللاذعة لهذه التصنيفات الدولية كما جاء ذلك في الخطاب الملكي أمام الأمم المتحدة الذي اعتبر أن "تطور الدول لا ينبغي أن يخضع لأي تنقيط أو تصنيف".

فهل يتعلق الأمر بازدواجية معتمدة في الخطاب الرسمي تفرق بعناية بين ما هو موجه للاستهلاك الخارجي وما هو بضاعة داخلية يجب أن يُقبل عليها المستهلك بدون تساؤل، بل يسارع للتنويه بها، وإن فطن لها عليه أن يلزم الصمت وهو يردد في قرارة نفسه " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"؟ أم إن الأمر يتعلق بإحدى تجلياتانفصام الشخصية "السكيزوفرينيا" المسكوت عنها، والتي تفضحها تناقضات الخطاب الرسمي وما أكثرها؟ !