إن مجمل التغيرات التي وقعت في العالم كله بسبب الأزمة الاقتصادية التي عاشتها الإمبريالية منذ 2008، قد أثرت بشكل مهول على المجتمعات الكولونيالية عموما، و لم يسلم المجتمع المغربي من آثار هذه الأزمة، و هو ما يعكس الارتباط البنيوي الحاصل بينهم، مسببة احتقان الأوضاع الداخلية للمجتمع المغربي بسبب الزحف الكلي على ما تبقى من مكتسبات الجماهير الشعبية، مما أدى إلى حراك شعبي و نهوض جماهيري عفوي جسدته حركة 20 فبراير، و للأسف أبدت هذه المرحلة بوضوح ضعف اليسار الحزبي في قيادة الجماهير و الانتقال بها الى مرحلة التنظيم، حيث كانت أحزاب اليمين بقيادة "العدالة و التنمية" هي التي استفادت من هذه الحركة الشعبية بوصولها إلى منصة الحكومة من أجل تنفيذ المخططات التي ستملى عليها من طرف حكامها، (إن هذا الصعود للحكومة لم يكن منعزلا عن مشروع الإسلام السياسي الذي تربع على منصب الحكم في جميع البلدان العربية بعد التغيرات التي أطلق عليها ما يسمى "بالربيع العربي")، و هذا ما أدى إلى إجهاض طموحات الشعب المغربي في إرساء أسس العيش الكريم من خلال إحقاق الحرية، الكرامة، و العدالة الاجتماعية، و تم أيضا التمهيد بها _ العدالة و التنمية_ لفرض الدستور الممنوح سنة 2011، من طرف حكامها.
و مباشرة بعد هذه المرحلة شرعت الطبقات الحاكمة في المغرب بتطبيق جميع مخططاتها الطبقية المملاة عليها من طرف " البنك الدولي و صندوق النقد الدولي "، و الهادفة إلى ضمان مصالحها الطبقية وتوطيد تبعيتها للإمبريالية (غلاء المعيشة ، الحد الأدنى للأجور، رفع سن التقاعد، قانون تشغيل القاصرات، المرسومين الطبقيين في التعليم "الاساتذة المتدربين"، الوظيفة العمومية بالتعاقد، المخطط الاستراتيجي "الطلبة"، تعديل جديد في ما يخص البكالوريا و أيضا مخطط مسار " التلاميذ"، المقاربة القمعية، فيما يخص التعاطي مع الغش في امتحانات المسلك الثانوي ... )، دون مراعاة الواقع المعيشي للفئات و الطبقات التي تتقاسم واقع الحيف والإضطهاد بكل أشكاله، بل على عاتقهم، و كذا كبح جميع الحركات الإحتجاجية الفئوية، مستعينة في إرساء كل هذا بآلاتها القمعية، و اعتقال خيرة أبناء هذا الوطن الجريح، دون مراعاة لحقوق الانسان و المواثيق الدولية في هذا الصدد، و كمثال على ذلك دستورها الممنوح الذي أزال الغطاء عن وجهها العاري المختبئ تحت شعار "دولة الحق و القانون"، الذي تتغنى به في كل أنشطتها السياسية و الثقافية و إبرازها في واجهتها الدعائية.

بيد أن ما يثير الانتباه في الأمر هو أن إنتاج فعل نقيض منظم من قبل اليسار لم يلح في الأفق بعد، فلماذا إذن؟! و هل أصبح اليسار كمكون اجتماعي يسارا نائما "ينتظر المهدي المنتظر الراديكالي في طروحاته السياسية و العملية في عملية تأطير و تحريض المعنيين بقضية التغيير، منتظمين في خط سياسي و ايديولوجي ينير مسار تنظيم هذه الأخيرة"؟!.
إن اليسار بشكل عام لم يحرك ساكنا في كل هذا، و إن كانت هناك مقاومة فهي ليست بحجم المخططات التي طبقت على الجماهير الشعبية بمختلف شرائحها، و إن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضعف اليسار الحزبي، في عملية تأطير و تحريض الفئات و الطبقات التي تتقاسم واقع الحيف و الاستغلال بكل أشكاله، و دفعها تنتظم من أجل التصدي لكل المخططات التي ذكرت من قبل، و يكشف كذلك عن ضعف القوة الاقتراحية في تجميع كل المناضلين التقدميين من أجل الشروع في عملية البحث عن الحلول التي يمكن تقديمها للأزمة المزمنة التي يعيشها البديل الحقيقي، حيث يجب طرح مداخل للنقاش بين كل المعنيين بالأمر، بعيدا عن منطق الهيمنة أو إسقاط التجارب التاريخية و كذا إسقاط الخطوط "السياسية و الإيديولوجية" في عملية بلورة خط سياسي/إيديولوجي وتنظيمي له بعده الطبقي المحدد، وأيضا عدم الإنطلاق من التحليلات النظرية الخاطئة للواقع التي تعتبر أن المرحلة " ثورية "، بذريعة أن الإمبريالية هي عشية الثورة، أو التشبث كذلك بما اعتبره اليسار الماركسي داخل المجتمع المغربي، أن الحركة الطلابية طليعة تكتيكية لقيادة حركة التحرر الوطني، ناسيا أن هذه المهمة هي من مهام الطبقة العاملة في جل مراحل التحرر الوطني، و أيضا بعيدا عن منطق الانتقاء و التجريم بين المناضلين، إذ يجب التعاطي بنضج، بحيث أن تعقد واقعنا و صعوبة فهمه، و الذي يتطلب منا المعاناة و الشقاء و الصمود لكي نستطيع أن ننتج روئً قادرة أن تصمد و تتحداه و تحوله إلى واقع أرقى منه، إذ أن هذا يحتم علينا تظافر الجهود و تدبير الاختلاف و تقبل النقد البناء فيما يخدم مصالح حركة التحرر الوطني. إن ما سبق ذكره لكفيل بإنتاج آليات تستطيع استيعاب التراكمات الكمية و تحويلها إلى نقلات نوعية، و كذا استيعاب التناقضات التي تتحكم في سير حركة الصراع الطبقي بالبلاد من جهة، و توجيه الصراع نحو العدو الطبقي الرئيسي من جهة أخرى.
و معلوم أن هذا الوضع الذي يمر به اليسار المغربي هو غير منعزل عن الوضع العالمي ( تراجع الفكر التقدمي عالميا و بالأخص بعد سقوط المعسكر الشرقي سنة 1990 بقيادة الاتحاد السوفياتي آنذاك)، لكن هذا لا يمنعنا من طرح بعض الأسئلة التي هي نتاج عن المخاض الذي تعيشه حركة التحرر الوطني المغربية بارتباطها بجميع حركات التحرر العالمية، و الشروع في عملية البحث و فتح ورشات للعمل من أجل إعطاء إجابات علمية و عملية، بهدف تشكل و لو لبنة من اللبنات الأولى للرقي بالفكر و الممارسة في ارتباطها بدفع الواقع إلى الأفضل، بعيدا عن منطق التعاطي "المنفعي/الهيمني" الذي يتعاطى به بعض المحسوبين على اليسار و الذي هو تعاطي كما أشرت سابقا تعاطي إقصائي، و قد يصل في مرحلة لأن يكون فيه استثماري، يقدم المصلحة الذاتوية على المصلحة الموضوعية،
و عليه يصير لزاما على الذات المناضلة المبدئية الشروع في العمل، و تفادي كل المعيقات -الذاتية- من أجل إرساء مقاومة قادرة على التصدي للمخططات الطبقية المذكورة سلفا، و كذلك لتحقيق كيان سياسي مستقل في ممارسته السياسية و ينضبط للمراحل السياسة التي يجب أن يمر منها، و قادر على تحليل هذه البنية الاجتماعية المعقدة بهدف إنتاج ممارسة سياسية تخدم الطبقة العاملة و عموم الكادحين.