سعيد غيدى

لستُ أهْوَاك، ولسْتُ أخلصُ في هَواكَ، لا أعشقُ فيكَ عُيوناً ولا حقُولًا، لستَ تُطْربُنِي بألحَانِك الشَّجيّة، ولا هي تُراقصُني طَرباً، فَلِمَ تَحبسُ أنفاسِي رهَينَتكَ، وكلَّما غَضَّ القَدَرُ طَرْفَهُ تَقُدُّ أَقْمِصَتِي كُلّهَا، وتُراوِدنِي عَنْ نَفْسي...

كرهتُكَ...وإني أكرهُكَ حَدّ التّعَب، حدّ التَّوجُّع، لا أرضَاك حبيباً..."أعْطيني حُرّيتي أطْلِقْ يداي...". إذا كان الحب لديك أن أعْصِرَ خمراً تَشْرَبهُ، أو أن أحْمِل خُبزا تأكلُ طيرُك منه، فبِحُبِّك أنا أَكْفُرُ...

بعْتَ طُفُولتِي لقوافل أتَتْ من الشَّمال، وحين دَلَى كبيرهم بدلوه خرُّوا سجَّداً ركَّعاً وقالوا: "لَعَلَّنَا نَتَّخِذَهُ وَلَداً"، وبَصَمْتَ على شِيكٍ من بياضٍ وقلتَ للشَّارِين: "هَنِيئاً لَكُمْ بِمَا رُزِقْتُمْ"،. بِعْتَ حُلُمِي بجلسة خمر، وشرِبتَ نخب سعادتك وأنت تردد" هَلْ رَأَى الحُبُّ سُكارَى" وحين ثملتَ، قلتَ للغاصِبِين : "إنَّهُ لَدَيْكُمُ الْيَوْمَ مَكِينٌ"...

ما ذنبي إذ قلتُ لِلَّقْلَاقِ "اِرْحَل" إنك دنَّستَ الَمآذن، وعِتَّ باسم الله على المساجد فساداً. ما ذنبي حين رميتُ خطيباً بحِذائيَ لمّا جَاز لهُ قَتل المُرْتَدّ والله بجَلَالَتِه قَال لعِباده "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".ما ذنبِي عِندمَا زَرعْتُ سَنابِلًا في جُروح وَطنِي الغَائِرة لِتَقتات منْها طُيورُنا الّتي جَاعَت وَبَدأت ترْحل جَمَاعةً في غَيْر مَوْسمِ هِجْرتِهَا شَطْر الشّمَال...ماذا جنيتُ عِنْدمَا لعنتُ الظّلَامَ قبْل أنْ أوقِدَ الشُّمُوعَ...هلْ أذنبتُ حينَ رأيْتُ فِي مَنَامي نوَارساً تَحْمِلُ فِي مَناقِرِها وَحلًا وهيَ تنْعِي الإنْسانيةَ جمْعَاءٌ...ما ذَنْبي لمّا قُلتُ لأُمِّي أنِّي عِيسَى وأنتِ مريمٌ وبيننا رُوحُ اللهِ وحْدَهُ فلا تُكَلِّمي بعْد اليَوم إنْسِيّاً، فاحْكِي لي كيفَ كُنْتِ تشُدِّينَ إلى جِذْع التِّينِ وعن مَخَاضِي حِين جاءَكِ وكيْف تَنَزَّلَتْ علَيْكِ الرُّطَب وكيف عَصَرْتها فآمنتِني من الجُوعِ وآمنتنِي من الخَوف...

ما ذَنْبِي حين مَشَينَا إلى الدَّار، محمَّلِين بأخْطَاء الأئمَّة، وسمِعْنا حُمَاة الله يستَمنُون بالقرآن، وحين ألْهَاهُمُ التَّكاثُر...تَحَرَّشُوا بِالغِيدِ في المقابر وجاز لهم ما يفعلون...ما ذنبي حين رمَيتُهُم بالجَمَارات وهي وجوبٌ، وحين قبّلنا الحجر، أصدروا باسم الله بيانا يدينون فيه المتربصين بالملائكة مع سبق الإصرار والتوضؤ ...

يا وطَنِي...رأيتُ زُنَاة اللَّيل كُلّهُم متكِئين على الأرائك...ملْهوون بجَمْع خَراجِ آل الرعيّة، ويعِدّون إبِلَهُم وجَوارِيهم وما مَلكتْ أيمَانُهم، رأيتُ هارون الرشيد يلبس كل الأجساد، ...ورأيتُ كيف يرقص أبناءُ البَلاطِ على جُفُون النّاس، ويصْرخُون فرحين بجنون الليل...وحين يذهب الليل إلى نومه تحْرُسُه كِلابُنا الوَفيّة...

لا أرضاك وطنا يُرَحِّلُ بناتهُ صوْبَ المشرقِ ليرْسُمْن قَوْساً قُزحاً بحبرِك الأسْوَد

لا أبْتغيك وطناً وأنت تسْرق الفرْحةَ من عُيُون الفَجْر باسْم دسَاتيرك اللَّعينة.

لم أُكَذِّب أهْل الكَهْف ولكنِّي قلتُ لأهْلي: الكَلْبُ يًخْلص حين يَحرُس النِّيامْ !!