كل المؤشرات تؤكد أن العلاقة بين والي طنجة (سلطة معينة) وعمدتها (سلطة منتخبة) ليست على ما يرام، ظهر ذلك من خلال العديد من المحطات والمناسبات، وإذا كان فؤاد العماري اكتفى خلال هذه "المواجهة" الغير متكافئة بالكلام وإطلاق التصريحات المطالبة بإعادة النظر في العلاقة التي تجمع السلطة الوصية بالمنتخبين، فإن والي طنجة محمد اليعقوبي أخرج أدواته العملية دون الخروج إلى الإعلام لشرح ما يجري للرأي العام، غير آبه ب"صراخ" العمدة الذي يقول البعض أنه يحاول "الاستقواء" بعلاقة شقيقه إلياس بجهة مقربة من السلطة، كما أنه يحاول أيضا استثمار مكانته وصفته كرئيس "للجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات" (عمداء المدن).
وهكذا وتتويجا لهذه "المواجهة" الغير متكافئة، أقدم الوالي وفي سابقة هي الأولى من نوعها على هدم نصب تذكاري بساحة عمومية قرب المحطة الطرقية بعاصمة البوغاز، سبق وأن دشنها عمدة طنجة تخليدا لعلاقة التوأمة مع نواكشوط الموريتانية، وقبل ذلك كان الوالي قد ألغى بشكل مفاجئ مشروع "المقبرة النموذجية" بحي "الرهراه" التي سبق وأن أشر عليه الوالي السابق محمد حصاد بعد أن تقدم به عمدة طنجة، وتقول أيضا بعض المعطيات الغير مؤكدة أن الوالي أصدر أوامره بهدم بناء بالقرب من مطار المدينة سبق وأن رخص له عمدة طنجة، هذا فضلا عن العديد من المبادرات والتحركات التي جعلت فؤاد العماري في حيرة من أمره ومن دون داعم ولا مساند، اللهم تصريح يتيم لشباط بسينما طارق ببني مكادة، قال فيه تعليقا على هاته المواجهة "إلى كنت عمدة ديال طنجة غير بيا ولا بالوالي"، لكن سرعان ما أدخل تعديلات على هذا التصريح عند حلوله ضيفا على برنامج "ضيف الأحد" على القناة الأولى أسبوعا بعد ذلك.
وتعود أصل هذه الحكاية المشوقة، والتي أصبحت على كل لسان وتناقش اليوم بمختلف المنصات والمنتديات كنموذج للخلاف بين سلطة منتخبة وسلطة معينة، إلى ما يدعيه العمدة "باستفراد" الوالي بكل المشاريع المتعلقة بطنجة الكبرى، الذي سبق وأن بسط تفاصيله والي طنجة أمام الملك وبحضور كل مكونات السلطة المحلية والمركزية، أكثر من هذا وضع الوالي كل المشاريع المنضوية تحت مشروع طنجة الكبرى تحت يديه، ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة حسب المعطيات المتوفرة، ولم يترك أي منفذ للعمدة للمشاركة في هذه المشاريع التي من شأن الانخراط فيها أن تمنحه أصوات انتخابية معتبرة، بالإضافة إلى كل هذا فإن كل الشخصيات المشرفة على هذه المشاريع هي محط ثقة الوالي وتشتغل تحت إشرافه المباشر، كل هذا على ما يبدو جعل العمدة يفقد أعصابه وتوازنه، حتى أنه أصبح يحتج و"يصرخ" في كل مكان ومناسبة تتاح له .
في الحقيقة فإن طريقة اشتغال محمد اليعقوبي ليست جديدة، فمنذ وصوله إلى الطابق الرابع لولاية طنجة سواء بصفته المؤقتة التي دامت حوالي السنة والنصف، أو بعد أن تم تثبته على رأس جهة طنجة تطوان، بعد أن تولى محمد حصاد وزارة الداخلية، أظهر الرجل صلابة قل نظيرها، وكلنا يتذكر كيف قلص من اختصاصات وتدخلات مصطفى الغنوشي كاتب عام الولاية أنذاك والرجل القوي فيها (مدير ديوان وزير الداخلية حاليا) التي كان يمارسها في عهد الوالي حصاد بعد أن كان الأخير منشغلا بإدارته لميناء طنجة المتوسط، وكلنا يتذكر كذلك كيف أعاد للأقسام والمصالح الولائية اختصاصاتها التي فقدتها في الفترة المؤقتة، وبالتالي فإن ما يجري اليوم ليس استفرادا بالمشاريع، بل إن من أتى باليعقوبي وشخصيته أراد أن يكون الوضع كما هو عليه الآن(السلطة المعينة تشرف على المشاريع الكبرى لطنجة وليس سلطة منتخبة) .
من عيوب الرجل أنه لم يسبق له أن تواصل مع وسائل الإعلام، وضعف تواصله مع مكونات المجتمع المدني بطنجة واضح للعيان، لذلك فهو عندما يريد أن يوجه رسالة إلى جهة معينة يستعمل أحد مقربيه، كما حدث مؤخرا خلال المجلس الإقليمي حيث ألقى كاتب عام ولاية طنجة كلمة نيابة عن الوالي الذي تغيب دون تقديم مبررات مقنعة، وقال كاتب عام الولاية وبوضوح على لسان اليعقوبي أنه لن يسمح لأي كان بأن "يركب" على مشاريع طنجة الكبرى، ببساطة لأنها مشاريع الملك، وأنا هنا أمثل الملك.
في تقديري فإن الوالي اليعقوبي لا يقوم إلا بما يخوله الدستور للوالي، تقول المادة 145 من دستور سنة 2011 "يمثل ولاة الجهات و عمال الأقاليم و العمالات ، السلطة المركزية في الجماعات الترابية يعمل الولاة والعمال باسم الحكومة ، على تأمين تطبيق القانون ، و تنفيذ النصوص القانونية ، و تنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة و مقرراتها ، كما يمارسون الرقابة الإدارية…."، بمعنى أن اختصاصات العمدة الضعيفة أصلا حسب "الميثاق الجماعي" تذوب أمام هذا التواجد القوي للوالي، بل إن كل المصالح والمديريات والمندوبيات الوزارية لا مكان لها إلا تنفيذ مخططات الوالي، ولا صوت يعلوا إلا صوت الوالي، فلماذا احتجاج العمدة ؟ فالدستور واضح .
أعتقد أن على عمدة طنجة الذي ينتمي لحزب يقول أن مرجعيته حداثية ديمقراطية أن يناضل من داخل حزبه من أجل تفكيك بنية السلطة بالمغرب التي تمنح السلطة المعينة كل شيء وتجعل منها السلطة الحاضنة لكل السلط المنتخبة، عوض الدخول في هذه المواجهة مع الوالي المنسجم مع نفسه والقانون والدستور .