عبد الرحيم شهبي

هناك الكثير من الهيئات الحقوقية هي مجرد آلات للإمضاء، وكائنات هلامية وبروتوكولية لا صلاحيات لها.. تعيش على الريع الحقوقي، فاقدة للإستقلالية شرط وجودها وأساس نضالاتها!!..

ولقد عشت عن كثب سنة عجفاء وبضعة أشهر، تزيد أو تنقص، محنة الانتماء للمكتب التنفيذي لما سمي"منتدى الكرامة لحقوق الإنسان" كانت كافية لتخبرني عن سيكولوجية التواطؤ والتخاذل والهزيمة التي تنخر هياكل مثل هذه الهيئات الحقوقية الهلامية..

ولقد علمتني ضربة الجلاد، وأنا القادم من المدن السفلى وأحياء الهامش، الكثير من معاني الرفض والتحدي، لكن ضربة من ينظر إليه كفاعل حقوقي مدني، جعلتني أكسر أقلامي، وانسحب في صمت كان أبلغ من ضجيج الوهم..

لقد كنت بين الفينة والأخرى أحاجج بعض أصدقائي في المكتب التنفيذي عن جدوائية الاستمرار في الانتماء لهذا المنتدى "المهزلة"، فكانت حجتهم المرجوحة؛ ينبغي أن لا نترك الكرسي شاغرا، ولاشك أنهم كانوا يستصحبون حلما جميلا بإمكانية الإصلاح، وأنا أشاركهم في هذا الحلم، والأحلام الجميلة لا سقف لها كما يقال، لكن هذا الحلم كان يتحول مع مرور الوقت إلى كابوس يقض مضاجعهم!!..

لقد صدمت منذ أول لقاء للمكتب التنفيذي السابق، بأن القوم قد أتوه مجندين بأجندتهم الحزبية، وأطلقوا مدفعيتهم الثقيلة وسط اللقاء في ذهول باقي الحاضرين، متشبثين حتى النهاية بمنصب الرئيس ونائبه الأول ونائبه الثاني، مع استبعاد المستقلين وباقي المكونات الأخرى عن هذه الحمى، وأذكر اعتراضا قدمه حقيقي في هذا الصدد، فرد عليه الرميد في تخريجة غريبة، بأنه لا يمكن الجمع بين المدير التنفيذي، الذي كان يشغله حقيقي من قبل وظل يشغله فيما بعد، ونائب الرئيس الأول أو الثاني، في حين يمكن الجمع بين ذلك وبين مهمة أمين المال، لقد كانوا يحددون مهامهم ويملون على الآخرين مهامهم أيضا، وبذلك كانوا يضعون أولى لمساتهم للسيطرة على المنتدى..

أقرفني ذلك المستوى، وخالجني شعور غريب بأن مصاحبتي لهؤلاء القوم إن طالت ستفسدني لا محالة، ففترت عزيمتي، وفلت إرادتي، في الدقائق الأولى من اللقاء، لقد كان هذا اللقاء الأول لقاء قياسيا في تحديد الموقف، لكن الخشية من اتخاذ موقف متسرع، جعلني أعيش منطويا في المنطقة الرمادية تلك السنة العجفاء..

وجاء اللقاء الثاني لي مع المكتب التنفيذي، على وقع التصريح الاستعراضي للرباح الوزير الحالي لإحدى القناتين المغربيتين، بأن منتدى الكرامة واجهة من واجهات النضال الحقوقي لحزب العدالة والتنمية، وكان لقاء عسيرا في إقناع "القوم" بأن هذا التصريح مسيء للمنتدى، وقاذح في استقلاليته، وواجب الحال يتطلب بيانا للرأي العام، يكذب هذا الادعاء، لكن العقلية الذرائعية أزكمت اللقاء بالتبريرات الواهية، وبعد الاستماع للتصريح المسجل، وإعادة الاستماع إليه، تمخض الجبل فولد بلاغا باهتا لم يوزع على وسائل الإعلام!!..

وكانت الطامة الكبرى في اللقاءات التالية؛ بأن أخبرنا الرئيس بأن "وثائق تجديد المكتب التنفيذي للمنتدى" قد رفضت سلطة الوصاية في الداخلية تسليمها، وعادت إليه عبر البريد المضمون، وبذل العودة للمكتب التنفيذي، والتداول بشأن هذا الخرق الحقوقي، واتخاذ الاجراءات النضالية الميدانية، حتى تكون الولادة شرعية ومشروعة، إلتجأ في خطوة انفرادية بالاتصال ببعض الجهات في السلطة التي حلت له المشكل، ولا نعلم ما هو الثمن الذي قدم حينئذاك، حينها تأكد لي أننا نمارس "غواية اللعب" مع اناس لهم علاقات نافذة مع دوائر في السلطة، وأن بينهم وبين النضال الحقوقي برزخان لا يبغيان!!..

حينها أذمنت على الغياب، وكان حضوري ناذرا، وكلما حضرت لقاء رأيت عجبا؛ ففي إحدى اللقاءات حيث كان من بين المواضيع المجدولة، هو الإهانة التي تعرض لها بعض أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من طرف أحد"سقور سنوات الجمر والرصاص" المدعو بنهاشم، الذي خاطب فيها الحقوقيين قائلا:".. لما عجبوا الحال يخرج من المغرب"!!!.. وكان المطلوب إصدار بيان تضامني مع أعضاء الجمعية المغربية، لكن "القوم" اعتبروا البيان مكلف، وسيكون له ما بعده، وسيحرمنا من حق زيارة المعتقلين السياسيين، ويجب أن ننقاش القضية بحكمة وبدون انفعالات طائشة، ومعجم الهزيمة مليء بالانكفاءات المخجلة!..

لكن "القوم" كانوا نشيطين في اللقاءات التكوينية، التي كانت تقام في فناذق فخمة، وينفق عليها ببذخ، وبشراكات مع قطعاتهم وواجهاتهم النسائية الحزبية، مع غياب تام عن النضالات الميدانية، التي كانوا يرفضونها، بدعوى أن لا يصير الفاعل الحقوقي موضوعا للانتهاكات، مما يشرعن لنضالات الصالونات العاجية!!

ومع مرور الأيام لم تعد تربطني بالمنتدى سوى خيوط أدق من خيوط العنكبوت، يمكن ان تقطع مع وهدة أية ريح، فجاء اللقاء مع الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، الذي عقد في منزل الرميد، وأرسلت لنا قبل ذلك رسائل إلى عناويننا الالكترونية، تتضمن برنامج اللقاء الذي سيعقد بين المكتب التنفيذي والشيخ، وكان الوضع الحقوقي في المغرب متدهورا، فقد كان المعتقلون في ما سمي ب"خلية بليرج" يخوضون إضرابا لا محدود عن الطعام، وكان بعضهم قد ارتدى كفنه، وكان المعتقلون في ما سمي ب"السلفية الجهادية" يعيشون وضعا صعبا أيضا، وكم كانت المفاجئة كبيرة عندما أغرق اللقاء وب"اسم المنتدى الحقوقي" بشخصيات حزبية برلمانية ودعوية لا علاقة لها بالمنتدى، وقدم حامي الدين وباسم المنتدى أيضا – باعتباره المنسق لهذا اللقاء- كلمة ترحيبية بالشيخ، ليتلي من بعد الرئيس الرميد كلمة ارتجالية باسم المكتب التنفيذي التي لم يعرف عنها أعضاء المكتب التنفيذي شيئا!!! يبرر فيها "مقاربة السلطة لملف الإرهاب"، و"أن المغرب يعرف تناميا للفكر المتطرف، وان من حق أي سلطة في العالم أن تحمي مقاربتها الأمنية".. ليختم بعبارة يظن أنها تجب ما قبلها، وتحفظ كرامته كحقوقي قائلا:.. ولكن السلطة قد أفرطت في استخدام قوتها، وقد اعترفت بذلك"!!.. ولم يذكر أيا من المعتقلين السياسيين المغيبين وراء السجون، ومنهم من هو عضو في المكتب التنفيذي للمنتدى!!!.. وبذلك قد رسم للشيخ خريطة طريق تختزل الارهاب في جذوره الفكرية، وتستبعد جذوره السياسية والاجتماعية، وصبرنا على هذا الهذر، وقلنا لعلنا نجد فسحة في المداخلات، فنلقي ما الصدور، ونصحح ما استقر في العقول، لكن ما كاد الشيخ ينهي كلامه، حتى اعلن السيد الرئيس عن نهاية اللقاء، لأن الوضع الصحي للشيخ لا يسمح بتلقي أسئلة او ردود!!!..وهذه تبريرات واهية، وأقنعة لوأد الحقيقة، فالشيخ – حفظه الله- يصمد ساعات طوالا على الفضائيات، يتلقي اسئلة وردود المشاهدين بدون أن يفل له عزم، فكيف يعجز عن التواصل مع أهل المغرب، وقد قطع مسافة طويلة من المشرق لذلك..
منذ تلك اللحظة نزفت اخر قطرة.. حزمت حقائبي، وقررت ان أحلق بعيدا عن منتدى الكرامة المهضورة والحقوق الضائعة، لأتنفس خارج هذا الجو الموبوء..

ما تعلمته من هذه التجربة، أن اصحاب الأجندات الحزبية، والقبعات السياسية، المستقوين بأصحاب النفوذ والسلطة، يدخلون إلى مؤسسات المجتمع المدني متنكرين، ومن وراء أقنعة، لمواصلة المناورة وإفراغ المؤسسات من المبادئ، وذبح الاستقلالية والمصداقية قربانا لكهان المعبد السياسي..
الجديدة في 19 شتنبر2014