هناك قراءة للوقائع والتطورات المتلاحقة التي عرفتها مرحلة ما بعد انتخابات 4 شتنبر 2015  تذهب الى أن هناك توجها سائدا لدى بعض الأوساط يميل الى  إغلاق قوس "الربيع المغربي"، بل هناك من يرى أن ذلك الإغلاق قد تأخر أكثر من اللازم، حيث كان من "المقرر" فيما  - يروج ويتداول -  أن حكومة بن كيران لن تعمر طويلا، خاصة بعد انتكاسات الربيع العربي في عدد من البلدان التي عرفت حراكا شعبيا، وانقلابه الى خريف .

يذهب البعض الى أن المعاناة التي عرفتها التجربة الحكومية خلال المنتصف الاول من ولايتها إنما كانت عبارة عن تمرينات وتسخينات من أجل انهاء خدمتها مبكرا، ويذهب هؤلاء الى ان خروج حزب الاستقلال لم يكن سوى القطعة الظاهرة من جبل الجليد، لولا أن هذا الاخير قد  تسرع في اعلان الخروج من الحكومة بعد أن وجد نفسه متورطا ومساوقا لقواعد مجلسه الوطني التي كانت في أوج التعبئة ضد بن كيران بسبب خرجات زعيمها وعنفه اللفظي في حقه، ولولا الحرج الذي وضع  فيه هذا الاخير المؤسسة الملكية حين اراد ان يقحمها في صراع حزبي وصراع داخل الاغلبية الحكومية وليس بين المؤسسات، مما قاد تلك المحاولة الى الفشل، وأدى الى تشكيل حكومة بن كيران الثانية!!

وكما كان المغرب استثنائيا في تعامله مع الربيع العربي كان كذلك في تعامله مع الخريف العربي: لم يشهد المغرب حركة "تمرد" كما حلم بذلك بعض المعارضين ، ولم تسقط حكومة بن كيران، بل سقط حزب الاستقلال من الحكومة، وخرج الى معارضة ضعيفة ومفككة، معارضة يوجد فيها حزب تحكمي مهيمن، سرعان ما بدأ بافتراس حلفائه والاشتغال في حديقتهم الخلفية وملء لوائحه الانتخابية الجماعية بأعيان كان عدد كبير منهم في احزاب المعارضة ، ومنها حزب الاستقلال الذي قاد هجوما " انتحاريا" ضد الاغلبية الحكومة آنذاك !

أدرك حزب الاستقلال متأخرا حقيقة اللعبة، والتحق بجبهة مواجهة التحكم، ودخل في سباق على رئاسة مجلس المستشارين ضدا على مرشح حزب التحكم ، وتفككت المعارضة البرلمانية مما مكن من المصادقة على نصوص تشريعية ما كان يمكن ان تمر في الغرفة الثانية.

انتقلت خطة استهداف حزب العدالة والتنمية  تبعا لذلك الى السرعة القصوى خاصة مع الفزع الذي احدثته نتائج الانتخابات الجماعية. واستمرار صمود شعبية الاستاذ عبد الاله بن كيران ، وهو الامر الذي لا  تظهر في الأفق مؤشرات حول تغيره رغم انتقال الاستهداف الى مستويات غير مسبوقة وصلت الى السعي للإيقاع بين رئيس الحكومة وجلالة الملك، وظهور عدد من المؤشرات التي تفيد السعي للتمكين للحزب التحكمي، وسيناريوهات مختلفة لتهييء المناخ نحو الانقلاب على المنهجية الديمقراطية ومنطق الدستور الذي تم تفعيله بعد انتخابات 2011 .

وحيث إنه يبدو من الصعب تصور إمكانية وواقعية إغلاق القوس الديمقراطي في المغرب ، لأن كل العقلاء في هذه البلاد لا يمكن الا ان يكونوا واعين تماما بكلفة هذا الاغلاق على عدة مستويات، ونظرًا لتزايد جبهة مقاومة التحكم ، وتغير عدد من المعطيات فيما يتعلق بالتعاطي مع الشأن العام ومتابعته، فدعونا رغم ذلك نضع فرضية تحقق هذا السيناريو السيء،  ونتصور كلفته من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى قضيتنا الوطنية وصورة المغرب في العالم العربي والإسلامي والعالم اجمع وعلى مستوى مناعته ضد استهداف حركات الغلو والتطرف وخلق شروط ملائمة لاضعاف تلك المناعة كما يتضح من خلال المعطيات والحقائق التالية:

-1 هو مكلف من الناحية السياسية لان المشروع السياسي الذي أعلنه ملك البلاد يوم التاسع من مارس 2011 ، مشروع المراجعة الدستورية وما فتحه من اوراش اصلاحية سياسية ومؤسساتية كبرى، جاء في الوقت المناسب ، ليس فقط من حيث توقيته المتزامن مع احداث الربيع العربي، ولكن لكون المغرب قد كان على عتبة اختناق سياسي توجهت سيناريوها تراجعيا تدريجيا مع ما عرفته السنوات الاولى لحكم محمد السادس من نفس جديد في تجاوز منطق السلطوية البصرية، حيث بدأت تتربع على الساحة سلطوية جديدة من نوع جديد تستلهم النموذج التونسي "البنعلي"  مع فرق ان هذا النفس السلطوي في المغرب كان في عنفوانه في حين ان النموذج التونسي كان قد وصل الى نهاية عمره الافتراضي .إن إغلاق القوس المذكور معناه العودة الى تلك اللحظة السيئة، والتي سهلت اشتعال ساحة الاحتجاج السياسي والاجتماعي.

-2  هو مكلف من الناحية السياسية لان التجربة الحكومية الحالية هي من التجارب القليلة في تاريخ المغرب التي تتوفر على سند حزبي شاب وديناميكي وتعاطف شعبي، كما ان الحزب الذي يقودها يتوفر على قيادات قادمة أساسا من العمل الاجتماعي بخزان قيمي وخزان اخلاقي قوي  وقريبة من الأوساط الشعبية حيث يرى المواطنون أنفسهم في هذا النوع المختلف نسبيا من القيادات السياسية والبرلمانية المعتادة ، مما اصبح نادرا في الوسط السياسي، وذلك  احد أسباب الالتفاف الشعبي حول التجربة ، واحد الشروط التي جعلتها قادرة على مباشرة عدد من الاصلاحات الصعبة وذات التكلفة السياسية ، ولا يرى في الأفق لحد الساعة بديل حزبي مؤهل للقيام بهذه المهمة ،  ناهيك ان يكون هذا البديل حزبا تحكميا هو في الحقيقة مجمع هجين من مكونات من مشارب مختلفة فيها أاصحاب المصالح او المتطلعين الى القرب من دوائر القرار لحماية تلك المصالح وتوسيعها ، وبعض اليساريين السابقين  ، حزب مصطنع وغير منبثق من رحم الشعب او قريب منه صنع صنعا في دوائر السلطة وتوسع ونما من خلال اليات التحكم والترغيب والترهيب  .

ان حزبا او أحزابا من قبيل الحزب المعلوم غير قادرة على حشد الجماهير في تجمعات انتخابية تأتي بكل تلقائية وحماسة ودون إغراءات او اجور مؤداة ، وان أحزابا لا تستطيع حشد مناضلين حقيقيين للتواصل مع المواطنين دربا دربا ودارا دار ليست مؤهلة كي تقوم بدور الوساطة بين الدولة والشعب ، ومن ثم هي غير قادرة على تنفيذ اصلاحات هيكلية ضرورية

-3 هو مكلف من الناحية السياسية لانه سيضع كل الرصيد الذي تحقق على مستوى الاستقرار والذي جعل من بلادنا نموذجا متفردا في المنطقة على كف عفريت وسيرجع بها الى اوضاع ما قبل سنة 2011 والى ما هو اخطر ، بسبب تصاعد منسوب الوعي السياسي المؤطر وغير المؤطر ايضا ،  كما تشهد على ذلك حالات الغليان التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي عند كل حادثة كبيرة او صغيرة ، كما سيؤدي الى نزع المصداقية عن خطاب ومواقف  قوى الاعتدال ونهج المراهنة على الاصلاح من داخل المؤسسات ، ويجعل الدولة في مواجهة مع شارع غير مؤطر فاقد لثقته في كافة الاحزاب السياسية والنقابية والمؤسسات التمثيلية ، مما سيضع مجمل النظام السياسي في دايرة الخطر ، ويضعف من قدرة الدولة على التصدي للتحديات الامنية والإرهابية

-4هو مكلف على مصداقية وجدية المغرب فيما يتعلق بمقترح الحكم الذاتي

ذلك  ان احد عناصر القوة في تماسك الموقف المغربي من قضية استكمال سيادته على أقاليمه  الجنوبية هو نموذجه الديمقراطي ،  وصورته الايجابية  في المنتظم الدولي لعدة أسباب منها  مسار الاصلاحات المتراكمة على المستوى السياسي والحقوقي ،  ومن ثم فان إغلاق القوس الديمقراطي له نتائج مدمرة على ذلك كله ، وبالخصوص على مصداقية الطرح المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي باعتباره في الأساس مبادرة ديمقراطية ، مبادرة وتدعو المغرر بهم للالتحاق بوطنهم ، وان ما يضمن لهم هذا الحل الديمقراطي من هامش المشاركة والمساهمة في بناء إقليمهم وتنميته ابعد بكثير عن الاوهام التي يسوقها لهم النظام الجزائري بحلم دولة لن تتحقق في يوم من الايام .

-5هو مكلف على مستوى مسار الاصلاحات الاقتصادية

ذلك  ان النمو الاقتصادي يرتبط ارتباطا بالاستقرار السياسي والحكامة الديمقراطية والتقدم في بناء دولة القانون والحقوق والتطبيع مع الممارسة الديمقراطية وتحقيق الانتقال النهائي نحو الديمقراطية ، باعتبار ذلك كله هو اساس الثقة في المجتمع اولا ولدى الفاعلين الاقتصاديين المحليين ثم لدى المستثمرين الأجانب ،

ان اقفال القوس الديمقراطي من خلال العودة الى منطق التحكم و " البريكولاج السياسي " ستكون له نتائج كارثية على الاقتصاد .  سيفسح المجال للريع بكافة أنواعه وارتهان الفعل الاقتصادي بدرجة القرب من دوائر القرار بما لذلك من مخاطر على المنافسة والاستثمار. سيُصبِح  الاستثمار كما أشار لذلك الاستاذ بلال التليدي عن حق " مصحوبا بالعمولات المؤداة للسلطة أو الإدارة، وينتهي ذلك مع الزمن إلى تراجع وضعية البلد لدى المؤسسات المالية والائتمانية، فتحصل هجرة الاستثمارات الأجنبية أولا، ثم تعم حالة من عدم الثقة في الاستثمار في البلد تجعل المستثمرين في الداخل يمتنعون عن الاستثمار، ويبدأ التفكير في تهريب الأموال للخارج للبحث عن بيئة آمنة للاستثمار أو على الأقل حفظ الأموال."

من الطبيعي - يضيف الاستاذ بلال التليدي - بعد إغلاق القوس الديمقراطي، أن تراجع مختلف القوانين والإجراءات التي اندرجت ضمن خانة تبسيط المساطر وتنقية مناخ الأعمال، وأيضا القوانين التي  نصت على العدالة الاقتصادية، وإقرار مبدأ التنافس والتكافؤ في الولوج إلى الفرص الاقتصادية،  وأن يتم التحايل على البرامج الدولية، واستغلال دعمها لغير ما تم التعاهد عليه ....  وأن تفقد الثقة في المحاور الحكومي، وتتراجع رتب المغرب لدى المؤسسات المالية والائتمانية، بما يهدد الوضعية المتميزة التي يتوفر عليها المغرب اليوم ....

إغلاق القوس الديمقراطي، سيتبعه بالضرورة المحو التدريجي لآثار هذه الحكومة، خاصة منها الشق القانوني المرتبط بإرساء مبادئ العدالة تكافؤ الفرص، سواء في الولوج إلى الوظائف أو المناصب السامية، أو إمضاء الصفقات والطلبات العمومية، كما سيتبعه الاستعاضة عن لغة الوضوح إلى لغة ديماغوجية تقفز على إمكانات الدولة لممارسة التضليل، بالاستعانة بالإعلام المتحكم فيه، مما سيساهم تدريجيا في عودة الحراك الشعبي، وسيفقد الشارع أي قوة قادرة على تأطيره في اتجاه الالتحام بالإرادة الملكية في الإصلاح "

-6 واخيرا وليس آخراً فمن المعلوم ان المغرب وتجربته الاستثنائية في محيط إقليمي مضطرب ومتفجر ، قد ظل نقطة أمل بالنسبة لعدد من الحركات السياسية الاسلامية والعلمانية على السواء ، كما ظل نموذجا بالنسبة لشركائه الأوروبيين وفي العالم اجمع ، نموذجا في الجمع الخلاق بين معادلة الاصلاح والاستقرار ، حيث بدل ان يستمر المغرب رافعة تجر نحو الاعلى اي نحو مزيد من تعزيز المسار الديمقراطي ، فانه على العكس من ذلك سينجر الى استهواء النماذج التسلطية التي لا يمكنها ان تحقق تنمية ولا استقرارا ولا امنا ،  بل على العكس من ذلك  تهييء الشروط لتفريخ توجهات الغلو والتطرف ، وتحرم الاوطان من المناعة الداخلية في وجه مخططات الاستهداف والتقسيم.

نحن نراهن أيضا على العقلاء في بلادنا ودولتنا ، ونراهن على القوى الوطنية الحية ، وعلى اصطفاف حقيقي يفرضه واجب الوقت اي الاصطفاف من اجل مواصلة مسار البناء الديمقراطي ، ومواصلة احترام المنهجية الديمقراطية .

نراهن ايضا وبالأساس على الشعب الذي ينبغي ان يخرج عن بكرة ابيه لصناديق الاقتراع من اجل ان يحمي اختياراته وبسد الطريق على التحكم  !

بطبيعة الحال سيقرأ بعض ازلام التحكم وأدواته في الاعلام ان في هذا التحليل تهديدا مبطنا بانه "اما العدالة او التنمية او الدمار"  ! نقول ونؤكد اننا هنا على العكس من ذلك ، ندافع عن المصلحة العليا الوطنية وليس عن العدالة والتنمية..

إن قوانين السياسة تقول : ان التداول في الانظمة الديمقراطية هو الحقيقة الثابتة ، وتبعا لذلك فان العدالة والتنمية مهما امتد وجوده في موقع التدبير الحكومي فلا بد ان يأتي بديل ديمقراطي عنه اذا كان أفضل منه ، وكان اقرب الى الشعب ، وأكثر إخلاصا في خدمته .

نعم نحن مع التداول ، لكن شرط ان يكون مع احزاب حقيقية منبثقة من رحم الشعب وليس من احزاب نشأت من رحم التحكم وهي أداته الظاهرة  ، وان يكون تداولا ناتجا عن ارادة شعبية  لا عن ارادة سلطوية ، تداول يدفع بالبناء الديمقراطي نحو الامام ويعيد الثقة للمجتمع في المؤسسات السياسية الحزبية والتمثيلية .. وفي انتظار ذلك لا يمكن الا التصدي التحكم ولا مناص من هزمه في واقعة 7 أكتوبر ان شاء الله ، وان غذا لناظره قريب.