بديل- عمر بندريس

لم يحدث في تاريخ المغرب السياسي المعاصر أن هاجم رئيس حكومة الصحافة المغربية بالقدر الذي هاجمها يوم الأحد الماضي، عبد الإله بنكيران، حين واجه بالاسم ودون مواربة ولا تلميح، عناوين صحفية بعينها، متعرضا لها بأقذع النعوت والصفات.

ومعلوم أنه لا يعادي الصحافة ويدخل معها في شنآن مباشر، إلا سياسي غير حكيم؛ بمنطق البراغماتية السياسية؛ لأن الخاسر الأول والأخير في الحرب يبقى دائما هو السياسي، لكن هل بنكيران ليس بحكيم حتى يدخل هذه الحرب الخاسرة؟
من يعرف الرجل سيسارع إلى النفي، ليُطرح التساؤل: ما الذي دفع بنكيران إلى فقدان صوابه إلى درجة يسمي فيها الأشياء بمسمياتها؟

بنكيران "الملك"

لم تكن علاقة بنكيران بالصحافة دائما متوترة، فقد شهدت علاقتهما، عشية 25 نونبر من سنة 2011، "عشقا" منقطع النظير، خاصة من جانب الصحافة، مع استثناءات قليلة لا تُمحي القاعدة.
و يتذكر الجميع شهور العسل التي قضاها بنكيران مع الصحافة؛ حيث كانت أي كلمة من فمه، أو حتى ابتسامة خفيفة منه، تصبح عنوانا على الصفحة الأولى لكبريات الصحف والمواقع الإلكترونية المغربية.

أينما تولي وجهك تجد صورة لبنكيران، حتى كاد البعض أن يعتقد أنه غدا هو "ملك البلاد". أسبوعيات دخلت بيته، وظهر رفقة أفراد أسرته يغطون الصفحات الأولى لأعداد تلك الأسبوعيات، فيما صحف أخرى عادت لتاريخه تمجد "سلميته" و"حكمته"، وكيف استطاع "انقاد" قسم واسع من الحركة الإسلامية من الدم والتصادم مع السلطة.

الصحافة تضلل الرأي العام

لم يكن اهتمام الصحف ببنكيران نابع من سواد عيونه أو لميزة تميزه عن باقي الفاعلين الحزبيين والسياسيين، كانت الخطة تقتضي أولا، صرف نظر المغاربة عن كرسي حاكمهم، في وقت كانت فيه أعين الشعوب العربية كلها متجهة صوب كراسي حكامها، وهكذا ألهت بعض الصحف والمواقع الشعب ببنكيران حتى غدت صورته تؤثث معظم الفضاء الإعلامي المغربي.

كما اقتضت الخطة، صرف نظر المواطنين عن الشارع وعن حركة 20 فبراير ومكوناتها من "عدل وإحسان" ونهج ديمقراطي..، عبر محاولة إقناع المغاربة بان بنكيران هو "منقذهم" بطريقة "سلمية" ودون دم ولا حرب شوارع.

بالنسبة لمن تغيب عنهم هذه الخلفيات، كان سهلا عليهم في كثير من الأحيان أن يعتبروا تلك الصحف والمواقع المُمجدة لبنيكران، بأنها تابعة له، لكن لا أحد تساءل عن السياق الذي أوجب اهتمام تلك المواقع والصحف ببنكيران.

نهاية شهور العسل

غدا بنكيران بعد الحملة الإعلامية التي خُصصت له ينافس الملك في حضوره الرمزي، بل ومهددا "لشرعيته"، فاستوجب التهديد توفر شروط مواتية للانقضاض على الوضع من جديد، وإعادة الأمور إلى نصابها.

كانت الخطة المرسومة تقتضي خروج شباط من الحكومة وتنظيم مهرجانات خطابية تحشد لها السلطات المواطنين، قبل أن يشوه شباط بتصريحاته الصورة التي راكمها بنكيران وسط المواطنين، في أفق تنظيم انتخابات سابقة لأوانها تفضي إلى إخراج بنكيران من الحكومة، بعد أن تكون سمعته مع تلك الهجمات قد وصلت للحظيظ.

ورب عاقل يتذكر و يتساءل: كيف أمكن لشباط أن يجمع 50 ألف مواطنا مدينة مثل العيون خاصة، ثم لماذا جال شباط ربوع المملكة كلها تقريبا مباشرة بعد خروجه من الحكومة؟ وأي مالية هذه لحزب حتى تتحمل نفقات كل تلك الجولات؟

مرسي ينقد بنكيران

أفسد انقلاب مصر الخطة، فلم يكن من مصلحة المسؤولين المغاربة أن يُحسب عليهم ما حُسب على حكام مصر وتونس، ليقتضي الوضع الجديد تغيير قواعد اللعب، عبر توريط بنكيران في حكومة تضم 39 وزيرا بل ويتحالف مع من وصفهم بالفاسدين، ليصبح قبلة مواتية لهجوم الإعلام، مع تجاهل شبه تام لمجموعة من أنشطته في مقابل تغطية مكثفة لانشطة الملك وعناوين من قبيل الجريدة "الفلانية" تشيد بحكمة الملك، والرئيس "الفلاني" يشيد بتبصر الملك وحكمته في إخراج بلاده ناجية من الربيع..في وقت كانت فيه بعض وسائل الإعلام تتهافت على سب شباط لبنكيران وقذفه.

كانت حكمة بنكيران تحثه على الترفع وعدم النزول إلى المستنقع، لكن حين رأى خصومه يجنون ما زرعوا، والبداية من انتخابات سيدي إفني ومولاي يعقوب، كان عليه يوم الأحد الماضي أن يعلن الحرب على الجميع صحافة وخصوم سياسيين وحتى أطراف من الدولة العميقة، فهل سيستمر في هذا الطريق؟ وهل يقدر على تكلفة هذا الخيار وهذه الحرب؟