الأمراني علوي محمد

عرف العمل السياسي المغربي وخصوصا العمل البرلماني، في الآونة الأخيرة و بالأخص بعد قيادة حزب العدالة و التنمية لسفينة الحكومة، عدة تجاذبات و شنآن و عراك وصراعات و تراشقات لفظية و مشادات كلامية... بحيث أصبحت قبة البرلمان مجالا لتصريف الصراعات السياسوية الحزبية الضيقة.
وفي ظل هذا المشهد السلوكي البرلماني القاتم، عقدت عدة برامج و حوارات تلفزيونية لمناقشة السلوك و الخطاب البرلماني، وصدرت عدة مقالات، للحث و التحسيس على ضرورة الارتقاء بالعمل و الخطاب البرلماني و نبذ ودرء كل الاختلافات السياسوية و التشظي السياسي، و الانكباب على عمل برلماني رقابي و تشريعي جدي و فعال. وها هو الخطاب الملكي بدوره حدى نفس الاتجاه وأكد في افتتاح الدورة الأولى للبرلمان في 10 أكتوبر 2014، " غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح : هل تمت مواكبة هذا التقدم، من طرف جميع الفاعلين السياسيين، على مستوى الخطاب والممارسة؟ إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة. غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن ، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية. فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي كسب ثقة الناخبين ، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى، والانشغالات الحقيقية للمواطنين."
ومن أكلح الطامات انه بعيد الخطاب بقليل نشب صراع و عراك ومشادات بالأيادي بين عضو من حزب الأصالة و المعاصرة و بين الأمين العام لحزب الاستقلال وبعض قيادته. ما يؤكد أن السلوك البرلماني و السياسي عموما لن يعرف طريقه للتغيير، فالسياسيون جبلوا على هذا السلوك في الحياة السياسية، بالرغم من التوجيهات و الخطابات الملكية، وامتعاض المواطنين من هذه الأعمال الصبيانية، وضعف الانخراط في الحياة السياسية. وأصبح المثل الشعبي المأثور "عمر الشطاح ما ينسى هزت الكتف" الأليق بوصف السلوك البرلماني. ففي الوقت الذي يعول على البرلمانيين أن يكونوا قدوة ومحط احترام للجميع،و الانشغال بوظيفتهم الأساس التي من أجلها انتخبوا وهي التشريع و الرقابة على أعمال الحكومة، انحرفوا عن هذه الوظيفية و أصبح البرلمان ساحة صراع بين معسكر المعارضة و معسكر الأغلبية.
وليس الغرض من هذا المقال التنبيه و التذكير و إعادة ما قد اعترى السلوك البرلماني من ثلمات، فهو ليس خاف على كل مكونات الشعب المغربي، وإنما القول ان البرلمانيين بسلوكياتهم و تصرفاتهم هاته لا تزيد إلا المشهد السياسي رداءة انحطاطا و نكوصا ، و تنفر من العمل السياسي. ولو وقعت مثل هذه السلوكيات في النظم المقارنة لا أقيمت الدنيا و لم تقعد، ففي حادثة برلمانية العام المنصرم في فرنسا تم "معاقبة نائب برلماني من فريق الاتحاد من أجل حركة شعبية (معارضة) بخصم ربع تعويضاته خلال شهر واحد وذلك بسبب "استهزائه" بزميلة له تنتمي إلى حزب الخضر. وكان النائب بارتريك لوراي قد أصدر "نقنقات" مقلدا بذلك الدجاجة، بينما كانت زميلته النائبة فيرونيك ماسونو تلقي مداخلتها" ( الموقع الالكتروني منارة).
كذلك لو ذهبنا إلى النموذج الانكلوسكسوني و خصوصا في بريطانيا، نجد مدونة السلوك لمجلس العموم البريطاني تنص على انه من المبادئ العامة لقواعد السلوك، و التي يجب أن يتحلى بها البرلماني ما يلي:
- الإيثار: ينبغي على أصحاب المناصب العامة اتخاذ القرارات من واقع المصلحة العامة، و لا ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك من أجل الحصول على منافع مادية أو مالية أخرى لأنفسهم أو عائلاتهم أو أصدقائهم.
- النزاهة: ينبغي على أصحاب المناصب العامة ألا يضعوا أنفسهم تحت أي التزام مالي أو غيره لأفراد أو منظمات أجنبية و التي قد تؤثر عليهم في أداء واجباتهم الرسمية.
هذه المبادئ و غيرها كوجوب على الأعضاء أن يقيموا سلوكهم بناء على المصلحة العامة وتجنب التعارض ما بين المصلحتين العامة و الخاصة، و تسوية أي نزاع يقوم بين المصلحتين فورا للصالح العام. نجد من يتحلى بها داخل القبة البرلمانية المغربية إلى النزر القليل.
"لقد ظلت البرلمانات مدارس حقيقية للتربية والتكوين على الديمقراطية وفضاء لممارسة ثقافة الاختلاف ومجال خصب لتبلور الأفكار والآراء والبدائل والنقاشات السياسية/البرلمانية حول مجمل مشاكل السياسات العمومية ،حيث المطارحات الفكرية والإيديولوجية تجد طريقها إلى آذان الجمهور المتتبع والتي تروي عطشه الفكري والمعرفي وتأتي به إلى مقام التفقه السياسي واكتساب المعرفة ،والتي تساهم إلى حد كبير في بناء "تثاقف برلماني مجتمعي" يمد جسور التواصل أكثر مع صناع القرار البرلماني بجانبيه التشريعي والرقابي،وغالبا ما يعبر البرلماني عن نضج سياسي راقي يضع في حسبانه تيمة أنه ممثل الأمة ،وعليه فإن أقاويله وأحاديثه وجدالاته مسموعة وسلوكياته وأفعاله منظورة ،وفي حرص شديد والتزام أكيد في الحفاظ على صورة البرلمان لدى الرأي العام حتى لا تضيع هيبة البرلمان في أعين الناس ويفقدون مسلكا يعبر عن شجونهم وانشغالاتهم ،فالبرلماني هو من يصنع البرلمان الجيد بفعل تعبيرات سلوكية جيدة ،وغير ذلك من السلوكيات المعيبة سائرة به إلى الهلاك والتهلكة."( عثمان الزياني: الكوميك البرلماني الصادم، جريدة هسبريس)
وفي الأخير لقد أن الأوان، إلى نقد ذاتي للسلوك البرلماني والعمل على تكوين صورة برلمانية براقة تكون في مستوى ثقة الناخبين و الشعب المغرب برمته، و كذا العمل على وضع مدونة أخلاقية برلمانية تكون لها طابع إلزامي على غرار بعض البرلمانات المقارنة. وذلك لا لشيء إلا لإرجاع ثقة المواطنين في العمل البرلماني و السياسي عموما.