اكدت صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطانية ان دخل “الدولة الاسلامية” من النفط يبلغ 500 مليون دولار سنويا، ولكن هناك تقديرات غير رسمية تفيد بأن الرقم الحقيقي، هو الضعفين على الاقل، لان هذه الدولة تسيطر على اكثر من 13 بئرا نفطيا في منطقة دير الزور شرق سورية، وعلى اكبر محطة للغاز قرب الرقة، وتتحكم بإمدادات الكهرباء، وتملك العديد من المصافي شبه البدائية التي يباع انتاجها من البنزين والمازوت الى مشترين من دول الجوار، بما في ذلك كردستان العراق، وتركيا واماكن اخرى في العراق، علاوة على شركات تابعة للنظام السوري.

هناك مصادر دخل اخرى لهذه “الدولة” مثل عوائد الضرائب، وبيع الآثار، والفدى التي تحصل عليها من جراء الافراج عن المخطوفين الاجانب، ولكن هناك مصدر خفي، وغير معلن، يتمثل في الملايين التي تصل بصورة غير مباشرة من شخصيات خليجية وعراقية واسلامية، تتعاطف مع هذه الدولة.

السؤال الذي يطرح نفسه يدور حول عدم قيام الطائرات الامريكية التي تشن غارات ليل نهار على مواقع هذه الدولة، وترصد دبيب النمل في معظم، ان لم يكن جميع المناطق التي تسيطر عليها، بتدمير هذه الآبار النفطية، والشاحنات التي تنقل انتاجها؟
السؤال المحير بالفعل، وهناك من يؤكد ان بعض الآبار تعرضت للقصف بالفعل، ومن قبل طائرات حربية عربية، ولكن هناك مخاوف لدى التحالف عبرت عنها الصحيفة البريطانية، تتلخص في خوف التحالف من قتل مهندسيين، وعمال، وسائقين مدنيين يعملون في هذه الحقول النفطية ومصافيها.

التحالف ينظر في العديد من الخيارات لخنق “الدولة الاسلامية” اقتصاديا وتجفيف منابعها المالية على غرار ما فعل مع تنظيم “القاعدة”، ومن بين هذه الخيارات اغراق اسواق المنطقة المجاورة بكميات كبيرة من النفط الرخيص ومشتقاته، خاصة في شمال العراق، لتقليص وارادات التنظيم المالية، ولكن هذا الخيار يبدو ساذجا، لان تأثير مثل هذه الخطوة سيكون محدودا.

سيطرة “الدولة الاسلاممية” على مدينة بيجي التي توجد فيها اكبر مصفاة على الاراضي العراقية، وتغطي حوالي ستين في المئة من احتياجات العراق من المحروقات، وفر لها عوائد مالية هائلة اضافية، وهذا ما يفسر الحشودات الحالية من قبل القوات العراقية، المدعومة امريكيا، الرامية الى استعادة السيطرة على هذه المدينة ومصافيها.

وحتى لو افترضنا ان دخل “الدولة الاسلامية” من النفط في حدود نصف مليار دولار سنويا، فانه مبلغ كبير، اذا وضعنا في اعتبارنا ان هذه “الدولة” لا تملك قصورا، ومقرات فخمة، على غرار الدول المحيطة بها، وقادتها يجتمعون في اماكن سرية لتجنب قصفهم من قبل طائرات التحالف.

انتاج “الدولة الاسلامية” من النفط لا يزيد عن ستين الف برميل يوميا، يجري تكريرها في آلاف المصافي التقليدية، ولا نعتقد ان هذا العدد من البراميل يؤهلها للانضمام الى منظمة الدول المصدرة للنفط “اوبك”، ولكنه ربما يؤهلها للانضمام الى منظمة “اوابك” العربية، ذات الشروط الاكثر مرونة، هذا اذا قبلت قيادة “الدولة” بمثل هذه الخطوة الافتراضية، لكن لا احد يعلم عما سيحمله المستقبل من مفاجآت، فمعظم حقول النفط العراقية الشمالية تتمركز في منطقة كركوك التي لا تبعد الا بضعة كيلومترات عن مدينة الموصل، واحتمال السيطرة عليها ليس مستبعدا في ظل تدهور اوضاع اقليم كردستان العراقي، وتفجر الصراع بين قطبيه التقليديين، اي قبيلتي البرازاني والطالباني.

لا نبالغ اذا قلنا ان “الدولة الاسلامية” رغم دمويتها وتوحشها، والقصف الجوي المستمر لمقاتليها من كل الجهات والقوى الاقليمية والدولية، تبدو اكثر استقرارا امنيا واقتصاديا من دول اخرى في الجوار، وربما هذا ما يفسر تقلص اعداد طالبي الهجرة من “مواطنيها”، بالمقارنة مع اجزاء اخرى من العراق وسورية، سواء تلك التي تسيطر عليها قوات الحكومتين، او المعارضة المسلحة.

اذا اردت ان تعرف مدى اهمية وخطورة اي دولة او تنظيم، فعليك ان تنظر الى اعدائه، وعندما يكون اعداء هذه الدولة الذين ينخرطون في حرب ضدها، مباشرة او غير مباشرة، يزيدون عن مئة دولة، من بينها قوتان عظميتان عالميتان، وعدة قوى متوسطة اوروبية واقليمية، فان القضاء عليها، مثلما يعلن هؤلاء لن يكون بالعملية السهلة، ونحن لا نتحدث هنا عن التكاليف الباهظة والمدد الزمنية.