عالم اليوم هو عالم المعرفة يحيا فيه مجتمع المعرفة ويحكمه اقتصاد المعرفة ، وبالتالي لم يعد هناك متسع لمن لا ينتج المعرفة أو على الأقل من يسهلكها .دولتنا الموقرة لم تستوعب هذا المعطى بعد أو بالأحرى تتجاهله، فبالرغم من كل الشعارات الرنانة والعناوين العريضة ، تبقى إرادة الإصلاح والرغبة فيه أكبر غائب من سلم اهتمامات الدولة .التعليم وحده كفيل بجعل أمة في بر النجاة وكفيل أيضا بجعلها في ذيل الأمم .
المواطن المتعلم أكبر ما يخيف الدولة اليوم والدليل على هذا هو الكيفية التي تتعامل بها الدولة مع النخبة العالمة في هذا الوطن .إذ تحاول وأده بكل الطرق ، والأخطر من هذا انها ترسم صورة معتمة عنه بواسطة الإعلام .
الدولة تعلم جيدا أن التعليم الجيد سينتج مواطنا كاملا ينفتح على ثقافات الأمم الراقية، ليتشبع بمبادئ حقوق الإنسان ومبادئ الدمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية وحتما سيطالب بذلك في وطنه .كما تعلم أن هناك من سينفتح على صروح علمية وفلسفية تناقض نظريتها المتخلفة .
أبناء العلم والمعرفة سيدرسون الفلسفة وعلم الإجتماع سيسمعون عن العقد الإجتماعي عند "توماس هوبز"أو "جون جاك روسو".وسيكتشفون أن الشعب هو القاعدة، وأن السلطة يجب أن تصرف وفق لإرادته وأن هذه القاعدة الفلسفية تأسست عليها معظم الدويمقراطيات العتيدة في العالم .ومنهم من سيختار القانون وعلم السياسة ليكتشفو أن القاعدة القانونية مجردة ويجب أن تخضع لإرادة الكل، كما أنهم سيطلعون عن أنواع الشرعيات عند "ماكس فييبر" . وقد يختاروأالآدب فيطلعوا على نصوص "أحمد مطر" ويدندنوا بنصوص " سامويل بيكيت"،ويستمعوا لأغاني السبعينات كما نطق قائد الغيوان "العربي باطما"، أو كما صدحت في سماء إزنزارن بلسان "عبد الهادي إكوت ".سيدرسون التاريخ ليكتشفوا أن مغرب اليوم ليس إلا كما رسمه المستعمر ذات سنة في معاهدة "إكس ليبان". بعد أن قويض في حريته بدراجة هوائية .
أبناء العلم والمعرفة يدرسون الرياضات ويتعلموا لغة الأرقام ليطبقوها في معادلة الثورة وبذلك سيكتشفون أن ثروة البلاد لا توزع إلا على القلة، وذلك سيرا على نهج "أبرهام السرفاتي" و"المهدي بنبركة".كما أنهم سيبحثون في تاريخ العلوم وتحدث المفجأة عندما يكتشفوا أن عجلة العلم لا تدور إلا في محيط الحرية والعدالة الإجتماعية.وهناك من سيدرس الإقتصاد ليجد أن قوة الدول رهين بمتانة سياساتها الإقتصادية .بينما سيجد أننا لا نتنفس إلا تحت خيمة الرأسمال المتوحش، وبين مخالب المضاربة التي تعم كل قطاع .
الدولة كل مرة تضع استراتجية تستغرق في التخطيط لها أكثر ما تستغرق في أجرأتها وتفعيلها، وفي آخر المطاف بجرة قلم تقوم بإلغائها بدعوى عدم ملائمتها لسوق الشغل، بناءا على هذا الدولة تريد تعليم يصنع آلة بشرية ويبرمجها لتشغيلها في مصانع الأسلاك والسيارات ومراكز النداء، يأخذ بموجب ذلك أجرا يضعه في بنك ومنه يقرض قرضا ليدور في فلك مرتبك، فيعود كل مرة إلى الإمتنان لأولياء النعمة.الدولة تريد سلعة توجهها إلى السوق .
إذا لا حاجة لها بالشعراء ولا الفلاسفة لا حاجة لها بالقاضي لا حاجة لها بالأستاذ، الدولة تريد ذلك الأكادمي المزيف،يحاضر في الجماع والنكاح ويضع له وقتا محددا وفقا لسنته ، ينتحل كلمات يضعها بين دفتينو يسمي ذلك تجاوزا كتاب وويل لمن لا يقتنيه، وفي الآخير يمتحن الطلبة في عدد صفحاته. الدولة تريد من ينتج الثروة ليسمنوا بها مسؤولينا حسابتهم البنكية المفتوحة في سويسرا ..
والنتيجة مواطن يغادر المدرسة مبكرا ليتدين القتل والتقتيل فيقوم بنحر آخر باسم فريق في كرة القدم أو باسم عصابة داخل نفس الفريق ....