بديل ـــ أحمد عبيد

يوم الأربعاء 7 يناير /كانون الثاني الجاري، عزل محمد حصاد، وزير الداخلية، 12 منتخبا جماعيا، يتوزعون ما بين رؤساء جماعات حضرية و قروية ورؤساء مقاطعات المجالس، ونوابهم، وهو القرار الذي حظي بترحيب كبير في بعض الأوساط الشعبية والسياسية والحقوقية.

وبحسب البيان الصحفي، الصادر عن وزارة الداخلية، نشرته وكالة الأنباء المغربية الرسمية، يوم الخميس 8 يناير /كانون الثاني الجاري، فقد هم القرار قياديين ومنتخبين موزعين على أحزاب بارزة في المشهد السياسي المغربي، من بينها حزب "الاستقلال" (معارضة)، و حزب "الاصالة والمعاصرة" (معارضة)، وحزب "التجمع الوطني للأحرار" (موالاة)، وحزب "العدالة والتنمية" (القائد للحكومة)، وذلك لأسباب مختلفة من بينها الخروقات والمخالفات التي ارتكبها هؤلاء المنتخبون الجماعيون في تدبيرهم للشأن المحلي.

وصدرت قرارات العزل في الجريدة الرسمية في عدد 6322، المؤرخ في فاتح يناير الجاري. وشملت عملية العزل بالإضافة إلى رئيس "جماعة أورير" كلا من رئيس مجلس جماعة "حد السوالم" بإقليم برشيد زين العابدين حواص، ورئيس مجلس جماعة وزان بإقليم وزان محمد كنفاوي، ورئيس مجلس جماعة مارتيل بعمالة المضيق الفنيدق علي أمنيول، ونائبه الأول عبد الخالق بنعبود، علاوة على رئيس مجلس جماعة تاونزة بإقليم الراشيدية لحسن تنكر ونائبه الأول محمد تمغارت، والنائب الأول لرئيس مجلس مقاطعة بطانة بعمالة سلا، علي مغناوي، والنائب الخامس لرئيس مقاطعة العبايدة بعمالة سلا مصطفى الموتشو، ورئيس مجلس مقاطعة المعاريف بعمالة مقاطعات الدارالبيضاء أنفا أحمد القادري، ونائبه الأول المدني العلوي، ونائبه الثاني عبد الرحيم بوسفان.

وبررت الداخلية قراراتها، بما أسمته "خروقات إدارية وإختلاسات مالية"، إستنادا ّإلى تقارير "المفتشية العامة للإدارة الترابية" وكذا التحريات التي قامت بها الإدارة بخصوص الخروقات التي تهم في مجملها:

تسليم شواهد إدارية بهدف التحفيظ أو الإذن بقسمة بقع أرضية ناتجة عن عمليات استخراج أوتقسيم أو تجزيء، وذلك دون احترام المقتضيات القانونية المعمول بها في هذا المجال، وعدم مسك سجل خاص بهذه الشواهد الإدارية برسم سنتي 2012 و2013، وكذا منح رخص البناء ورخص السكن دون احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل في مجال التعمير، و تسليم شواهد التخلي عن متابعة مخالفي قانون التعمير بالرغم من كون المخالفات موضوع التخلي لازالت قائمة ولم يتم إزالتها، ثم عدم اتخاذ الإجراءات القانونية المتعلقة بضبط وزجر المخالفات المرتكبة في مجال التعمير.

"انتقائية" في العزل

يرى مراقبون للشأن الحكومي في المغرب، وكذا المنتخبون الذين تم عزلهم، أن وزارة حصاد، تعاملت بـ"إنتقائية"، مع مجموعة من المنتخبين "المحظوظين" والمقربين من دوائر "نافذة"، الذين ارتكبوا "أخطاء فادحة"، ومع ذلك لم تطلهم قرارات حصاد، رغم أن أفعالهم كلفت خزينة الدولة والجماعات التي يدبرون شأنها خسارة أموال طائلة.


"دولة داخل دولة"

ويرى المتتبعون أن أبرز تَجلِّ لـ"انتقائية" حصاد في قرارات العزل، هو رئيس المجلس البلدي لمدينة أصيلة محمد بنعيسى، ورئيس المجلس البلدي لمدينة كليميم الاتحادي عبد الوهاب بلفقيه.

فالأول، محمد بنعيسى، وبحسب العديد من المتتبعين، فقد أتى من الأفعال والقرارات ما يوجب المسائلة القضائية، دون أن يطاله، يوما، ولو مجرد عتاب من سلطة الوصاية، وربما هذا ما دفع رئيس "الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب" محمد طارق السباعي، ليصرخ قبل شهور: "بنعيسى.. دولة داخل دولة"، وذلك بمقر جمعيته، خلال ندوة صحافية نظمت حول ملف المستشار بمدينة أصيلة الزبير بنسعدون.

بنعيسى "ممثلا للملك" !

يوصف العامل في الثقافة الإدارية بـ"ممثل الملك" في إقليم نفوذه. ومن غرائب هذه "المملكة" أن رئيس جماعة وهو محمد بنعيسى قام مقام "ممثل الملك" في إقليمه، حين أقدم بصفته رئيسا للمجلس البلدي لأصيلة، على هدم "مشروع سياحي، علما أن العامل هو الذي يعود له هذا الاختصاص الحصري، ومع ذلك، لا عامل تكلم ولا والي نهى ولا وزير تدخل، رغم أن قرار الهدم هذا كلف خزينة الدولة وجماعة أصيلة 5 مليار سنتيم، تكبدتها، تضامنا، وزارة الداخلية مع مجلس أصيلة، كتعويض لشركة "مارينا أصيلا"، بعد أن حكم القضاء لصالحها، حيث تمت برمجة التعويض على مدى ثلاث سنوات، تتعهد جماعة أصيلة بدفع سنة 2013، 12 مليون درهم، وسنة 2014، 9,5 مليون درهم، وسنة 2015 مبلغ 9,5 مليون درهم (حسب الاتفاق الثلاثي بين الجماعة ووزارة الداخلية والشركة).

أكثر من هذا، اشترى محمد بنعيسى، بصفته رئيسا للمجلس البلدي لأصيلة، أرضا من شركة ممثلها القانوني مقرب منه علما أن مقتضيات قانون "الميثاق الجماعي" تمنع إجراء بيوعات بين رؤساء الجماعات والمقربين منهم.

"أخطر وأفظع" من كل ما سبق، أن بنعيسى اشترى الأرض دون تصفية العقار، ما ورط الجماعة في "فضيحة" كلفتها قرابة 200 مليون، حصل عليها مواطن يدعى محمد بوخبزة، بعد أن لجأ على القضاء، عندما احتلت الجماعة أرضه ضمن الأرض التي اشترتها من "شركة فيرا" المذكورة.

وضمن هذه الفضائح أيضا، ما بات يعرف لدى البعض بـ"فضيحة حديقة نزهة مولاي رشيد" حين لجأ بنعيسى مرة أخرى، إلى فرض أمر الواقع عبر نزع الملكية، دون الاكثرات بما يمكن أن يجلبه مثل هذا القرار من تبعات قضائية وغرامات مالية على كاهل البلاد، حيث اصبحت الجماعة مطالبة بأداء مبلغ 8.706.000 درهم لأصحاب العقار، والمبلغ مرشح للزيادة باحتساب الجزاءات عن كل تأخير في الأداء.

من "بومبيست" إلى "حاكم" في الصحراء

أما الثاني، فهو عبد الوهاب بلفقيه، رئيس المجلس البلدي لكلميم، وعضو المكتب السياسي لحزب "الاتحاد الاشتراكي"، الذي كان مجرد عامل بسيط جدا في محطة وقود ليصبح بقدرة "الجماعة" واحدا من أعيان المنطقة، بل وخصما عنيدا للممثل الاول للملك في جهة كليميم السمارة.

ووفقا لمعطيات يتوفر عليها "بديل"، فبلفقيه أحد أعيان الصحراء في المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، وهو وعضو ثاني في مجلس جهة "كلميم –السمارة"، ورئاسة المجلس الاقليمي، عبر شقيقه الأصغر، وكذا وصايته على أرخبيل الجماعات القروية التابعة لإقليم كلميم، فضلا عن تقربه من زعيم حزب "الاتحاد الاشتراكي"، إدريس لشكر، الذي يشكل له "سندا ووساطة" قوية مع الدوائر العليا، في حربه ضد والي الجهة، وممثل الملك في الاقليم، علي العظمي (عمر العضرامي).

وبحسب حقوقيين، في ندوة نظمتها جمعية "الدفاع عن حقوق الإنسان" فرع كلميم، بتنسيق مع جمعية "الخيمة الدولية بهولاندا"، بمقر ""الهيئة الوطنية لحماية المال العام، فإن بلفقيه بدد الملايير من أموال المغاربة، حيث أكد أحمد قزبري، مدير مكتب المحاسبة والمواكبة لمشاريع بلدية كلميم خلال نفس الندوة بأنه مد وزارة الداخلية ووزارة العدل بمعطيات عن هذه "الجرائم" منذ شهور، دون نتيجة، ودون فتح تحقيق أو بحث في الموضوع.

أخطر من هذا، قال قزبري الذي تم استدعاؤه من طرف هيئات حقوقية لحضور الندوة؛ إن الداخلية ورغم علمها بهذه الخرقات مكنت بلفقيه، مؤخرا من 600 مليون سنتيم لتمرير مشروع كان قد فوت لمقاول بمليارين و700 مليون، قبل يسحب منه ويفوت لمقاولين آخرين بمبلغ ثلاثة ملايير و300 مليون.

وكشف قزبري عن خروقات في غاية الخطورة أبرزها صرف مستحقات لمنجزي مشاريع قبل أن تظهر تلك المشاريع على أرض الواقع، وتشييد مشاريع وبنيات مخالفة تماما للتصميم المصادق عليه، علاوة على مباشرة مشاريع دون تأشير الجهات المعنية.

أكثر وأخطر من كل ما سبق، كشفت وثيقة وزعها الحقوقيون المنظمون للندوة على الحاضرين عن توقيع مكتب الدراسات المكلف بإنجاز الدراسات التقنية للمشاريع، على بياض، تاركا للمقاول ورئيس المجلس البلدي وسلطات الوصاية أن يوقعوا لاحقا، علما أن المكتب لا يوقع إلا بعد توقيع الأخيرين، بل إن "الطامة الكبرى" حسب قزبري، أن مبلغ المشروع غير معلن في الوثيقة، ما يفسح للمعنيين أن يضعوا المبلغ الذي يريدون.

وأشار قزبري إلى إصدار وثيقة "أمر الخدمة" "ordre de service" دون التأشير عليها من طرف رئيس المجلس المصلحة المختص، والذي بموجبه تمنح الجماعة الحضرية لكلميم الأمر للمقاولة الفائزة بالصفقة لمباشرة الأشغال في ظرف أقصاه 15 يوما من تاريخ توقيع مسؤولي البلدية.

وقال قزبري إنه التقى فريق "العدالة والتنمية" وقدم له كل المعطيات، وأن الرميد اطلع بمكتبه على كل الخرقات التي ارتكبها بلفقيه، لكن لحد الساعة لم يفعل وزير العدل أي شيء، شأنه شأن وزير الداخلية.

وحسب معطيات دقيقة، يتوفر "بديل" عليها، فبلفقيه يشتبه في"تلاعبه في أوامر بدء الأشغال أو إيقاف و استئناف الأشغال، وعدم تطبيق دعائر التأخير في انجاز الأشغال"، وهو "تلاعب" سيحرم خزينة الدولة من 6 ملايير و300 مليون سنتيم، كان من المفروض استرجاعها إلى الميزانية المخصصة للتنمية الحضرية للمدينة بين سنتي 2010 و2015.
ويتوفر الموقع على وثيقة موقعة بإسم رئيس المجلس البلدي، عبد الوهاب بلفقيه، تعفي شركة "سكيترادوز" من كلفة دعائر التأخير تقدر قيمتها بحوالي مليار ونصف سنتيم، حرمت منها خزينة الدولة.

وتضيف المعطيات، أن المسؤول الجماعي، يقوم بالإشغال "خارج نطاق الصفقات وبدون اللجوء إلى انجاز ملحقات لها طبقا للقانون"، والتي لا ينبغي تجاوز نسبتها المحددة في 10 في المائة ، فعلاوة على عدم انضباطها للقواعد القانونية المؤطرة للصفقات العمومية فإن ما يترتب عن ذلك يشكل إثراء على حساب مدونة الصفقات العمومية المحددة بمقتضى الفصلين 51 و 52 ضوابط الأشغال الاضافية ما ترتب عليه استصدار إنجاز خبرات تثقل ميزانية الدولة.

هذا، بالإضافة إلى أن أغلب كبار المقاولين، دخلوا مع رئيس المجلس البلدي، عبد الوهاب بلفقيه، في معارك قضائية، قد تغرق كاهل خزينة الدولة، بمئات الملايير، فبالرجوع إلى المكالمات الهاتفية، بين المقاولين وعبد الوهاب بلفقيه، رئيس المجلس البلدي، سيكتشف "العجب العجاب".

ومن الممارسات المسجلة في حق المسؤول الجماعي بالإقليم، يشتبه في "تزويره لعدة رخص للبناء و شواهد إدارية"، لصالح المستفيدين، غير مسجلة في السجل المركزي للجماعة الحضرية لكلميم، وهو ما يحرم خزينة الدولة من ملايين السنتيمات هي في أمس الحاجة لها.

10 دجاجات بـ 25 مليون

نقلت قناة "شوف تيفي" الإكترونية، عن نائب رئيس بلدية جرف الملحة، التابعة لإقليم سيدي قاسم، قوله بأن مصاريف غداء، يتكون من 10 دجاجات، في لقاء بمناسبة عيد العرش لسنة 2012، ، بمقر المجلس، كلف ميزانية الجماعة 25 مليون سنتيما.

وأضافت نفس المصادر أن هذه المصاريف أُدرجت في الميزانية وصادق عليها المجلس البلدي، والأخطر بحسب نائب الرئيس، أنه رأى بعينيه الـ 10 دجاجات، والتي وُضع لها الرئيس، مقابلا ماليا في البيانات المالية للمجلس، بلغ 25 مليون سنتيم، على أساس أن المبلغ مؤدى لفندق أعد وجبة الغذاء حينها، إلا أن المدينة لا تتوفر على أي فندق، كما أن الجماعة لم يسبق لها أن نظمت وليمة بهذه المميزات، يضيف النائب.

لكن لماذا لم يعزل حصاد هذا الرئيس، إن صحت هذه المعطيات؟ لا جواب ولا إفادة سوى أن المعني ينتمي إلى حزب "التقدم والاشتراكية" المنتمي إلى صف الأغلبية الحكومية.

"النصب والمشاركة فيه"

ليس رئيس بلدية جرف الملحة المنتمي لحزب بنعبد الله وحده من سلم من قرارات حصاد، بل إن زميله في الحزب بنعيسى المسعودي، والذي لا يبعد عنه سوى بقرابة 20 كلم، بدوره متابع باتهامات خطيرة دون أن يطاله أي قرار.

وعلم "بديل" من مصادر قضائية أن رئيس جماعة الخنيشات التابعة لإقليم سيدي قاسم، المنتمي لحزب "التقدم والإشتراكية" يتابع أمام القضاء بتهمة "النصب والمشاركة فيه وتسليم وثائق إدارية لشخص يعلم أنه لا حق له فيها ومخالفة قانون التجزئات والعقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات".

ويتابع رفقة الرئيس، "سمسار عقار" وزوجته بتهمة "النصب والتوصل بغير حق إلى تسلم شهادة إدارية عن طريق الإدلاء ببيانات غير صحيحة واستعمالها وإحداث تجزئة أو مجموعة سكنية وبيع وقسمة بقع من تجزئة سكنية لم يؤدن في إحداثها أو لم تكن محل التسليم المؤقت للأشغال ودون الحصول على الإذن المنصوص عليه في القانون مع إضافة تهمة الضرب والجرح في حق الزوج، بعد صراعه مع أحد "ضحاياه" أمام المحكمة الابتدائية لسيدي قاسم.

وتبقى هذه الأمثلة التي استعرضها "بديل" مجرد عينة صغيرة لحالات كبيرة وعديدة نشرتها الصحافة وتناولتها تقارير حقوقية وجمعوية، لكن وزارة الداخلية لم تطلها قراراتها؛ لأسباب لا يعلمها إلا حصاد "والراسخون في ديوانه" !