صادق البرلمان الجزائري أخيرا على قانون لمكافحة العنف ضد النساء، ويتضمن القانون تجريم كل أشكال العنف ضد المرأة سواء الرمزي منه أو الجسدي أو الجنسي، ويشمل أيضا تأمين تواجد المرأة في الفضاء العام ضدّ كل أنواع العنف والتحرش. وبالنسبة للعلاقة بين الزوجين فقد نصّ القانون على "أن كل من أحدث عمدا جرحا أو ضربا بزوجه يعاقب بالسجن من سنة إلى 20 سنة بحسب درجة خطورة الإصابة". أما في حالة الوفاة فالعقوبة هي السجن المؤبد.

وقد عارض نواب إسلاميون هذا القانون كما كان منتظرا، معتبرين إياه "تدخلا في العلاقة الزوجية" (كذا !)، حيث أعطوا الأولوية لـ"انسجام الأسرة" و"استقرارها" على حساب كرامة المرأة التي لم يعتبروها فردا مواطنا بل مجرد ملحقة بالأسرة، ما يعني أن على المرأة حفاظا على "استقرار الأسرة" أن تتحمل أشكال الإهانة والطاعة في الحياة الزوجية كما هو متضمن في كتب الفقه التقليدي .

وقد كان لإقرار هذا القانون أصداء طيبة في المنتظم الدولي، حيث أثنت عليه منظمات حقوقية كثيرة منها منظمة العفو الدولية التي أصدرت بيانا عقب إقراره مباشرة، ووصفته بأنه "خطوة إلى الأمام".

في بلدنا المغرب ما زلنا نراوح مكاننا رغم المكتسبات الدستورية، ورغم الاحتجاجات المتوالية للحركة النسائية على حكومة صمّت آذانها وأشاحت بوجهها عن الملف بكامله، ليس هذا فقط بل إننا لأول مرة في تاريخ الحكومات والدولة المغربية الحديثة نجد رئيس حكومة يتصدى علنا لمطالب النساء ويعامل الحركة النسائية باحتقار وباعتماد عبارات السب والشتم والقذف بكل أنواعه، بل إنه اعتبر المطالب النسائية "مؤامرة من الخارج" رغم أنها في الحقيقة مطالب تتعلق بتفعيل الدستور المغربي وتحقيق وعود الحكومة المسطرة في برنامجها.

وليس هذا فقط بل نجد وزيرتنا في الأسرة تعتبر الحركة النسائية عدوا لها وتعتبر كل مكتسب يتحقق للنساء هزيمة شنعاء لحزبها أمام "العلمانيين"، وهو ما يفسر أن ميزانية قدرها 45 مليون أورو سلمت للحكومة المغربية من طرف الاتحاد الأوروبي لمكافحة العنف والميز ضد المرأة لم يتم إنفاقها في الأغراض التي من أجلها سلمت، وقد تفطنت الجهات المُموّلة إلى العداوة التي تعامل بها الوزيرة المجتمع المدني النسائي فلم تقبل بأن تتول هي نفسها توزيع جزء من الميزانية على الجمعيات النسائية، بل عهدت بذلك للوكالة الوطنية للتنمية بحجة أن العلاقة المتوترة بين الوزيرة والحركة النسائية لن تسمح لها بالعمل بنزاهة وحياد وبوعي ديمقراطي منصف من أجل رفع الميز ضد النساء، بقدر ما ستسعى إلى إغداق المال على الجمعيات التابعة لحزبها، والتي لا تؤمن بحقوق النساء، والتي تمّت فبركتها في الأربع سنوات الأخيرة منذ سنة 2011 ، لتكون بديلا للمجتمع المدني النسائي الذي عمل على مدى عقود من أجل تحرير المرأة المغربية.

لم يكتف الحزب الذي يرأس الحكومة بذلك بل إنه أطلق دعاته ووعاظه المسّيسين ضدّ المرأة وضد الجمعيات النسائية والحقوقية في المساجد والإذاعات الخاصة، حتى أنّ أحدهم دعا إلى الحذر من خطاب "لا للعنف ضدّ النساء" لأنه خطاب غربي يهدف إلى هدم الأسرة والمسّ باستقرارها القائم على مسؤولية الرجل، معتبرا أن ضرب المرأة "تأديب لها" وهو مسؤولية الرجل (كذا!)، كما سلط الحزب ذاته بعض سفهائه من الذين يعملون في حملاته الانتخابية لكي يصوروا فيديوهات في غاية الانحطاط لتمييع مطالب المرأة العصرية والتشنيع على الوجوه البارزة في الحركة النسائية، وهم لا يدرون بأن كلّ تلك الجهود مآلها الاندحار في النهاية، لأنها ضدّ منطق التاريخ والواقع والكرامة الإنسانية.

وهكذا ففي الوقت الذي كان فيه على المغرب أن يعمل على تفعيل التزاماته الوطنية والدولية، والتصدر إقليميا في مجال إحقاق الحقوق وتحصين مكتسباته الديمقراطية وترصيدها، ظلّ متأخرا عن الركب ومستغرقا في تكرار الشعارات البراقة والوعود العرقوبية، إلى أن تجاوزنا الجيران، وصار لهم فضل إقرار قانون يحظر العنف بشكل قطعي ضدّ النساء.