تعكس الحياة السياسية بوقائعها وتوتراتها غيابا شبه كلي للثقة بين أطراف الدولة، فالمناورات التي قامت بها السلطة للإطاحة بحزب العدالة والتنمية، والتي انتهت إلى خدمة هذا الحزب عوض إضعافه، تظهر مقدار نفور القصر من حزب "الإخوان" وعدم ارتياحه له، بسبب مشروعه المتمثل أساسا في الهيمنة على الدولة ومنازعة الملكية في الشرعية الدينية بغرض إقامة دولة "الإخوان"، كما أظهر حزب المصباح انعدام الثقة لديه في السلطة خلال الانتخابات الأخيرة حين سارع إلى الإعلان عن نتائجه قبل الإعلان الرسمي ممثلا بذلك دولة داخل الدولة، ومشككا في نوايا السلطة وأغراضها.

وأظهرت الوقائع المتتالية انعدام الثقة بين الأحزاب التي تسعى إلى المشاركة في تدبير الشأن العام، حيث اندلعت المناوشات بين القادة بمجرد الشروع في المشاورات الأولى، فظل حزب العدالة والتنمية ينعت حزب الأصالة والمعاصرة بحزب "التحكم"، وظل حزب الجرار ينعت "البيجيدي" بالحزب الذي يسعى إلى "التمكين" لنفسه و"أخونة الدولة والمجتمع" عوض المشاركة في تدبير الشأن العام، كما ظهرت لدى حزب الاستقلال ولدى العدالة والتنمية شكوك في نوايا حزب الحمامة واستراتيجيته الرامية إلى عرقلة مشروع عودة الكتلة إلى الحكومة، وما أن عقد أول لقاء بين رئيس الحكومة وبين الرئيس الجديد لـ"الأحرار" حتى اندلعت حرب كلامية بين الطرفين تمّ فيها استعمال كل الأساليب، هذا دون أن ننسى اللقاء الكارثي الذي جمع مختلف الأحزاب بدعوة من إحداها بغرض رفع مذكرة إلى الملك تعلن فيها الأحزاب عدم رغبتها في المشاركة في الحكومة مع حزب العدالة والتنمية، وهي مبادرة لم تنجح بدورها لأن الأحزاب المجتمعة لم تكن تثق في نوايا بعضها البعض كذلك، مما أدّى إلى مشاداة كلامية كادت تتحول إلى ما لا تحمد عقباه.

وحتى الذين توددوا إلى رئيس الحكومة وأظهروا رغبة في المشاركة "بدون شروط" سرعان ما اتهمهم الرئيس بـ"الابتزاز" حيث غيروا مواقفهم بشكل لا يفهم في منطق السياسة المعتاد، مما جعل بعضهم ينتقل من الرغبة في المشاركة إلى التشكيك في العملية من أصلها، ورغم أن طرفا حزبيا اقترح "مصالحة" وطنية لإنهاء الصراع القائم على انعدام الثقة، إلا أن مبادرته نفسها اعتبرت مؤامرة وزادت من انعدام الثقة بين الأطراف الحزبية.

وقد اتهمت أطراف حزبية حزب "القوات الشعبية" بلعب دور غامض، كما اتهمت أطراف أخرى حزب التقدم والاشتراكية بالتحول إلى ملحق ذيلي لحزب "الإخوان"، هكذا أصبحنا نعيش مشهدا لا ندري إن كان سيسفر فعلا عن تشكيل حكومة حقيقية تستطيع القيام بدورها في ظل التحديات التي ما فتئت تتعاظم. من جهة أخرى تعالت أصوات المجتمع المدني والنقابي لتندّد بضعف الأحزاب السياسية، معتبرة فوز العدالة والتنمية تعميقا للأزمة، ومعبرة عن مواقف تشكيك في السلطة التي لا تبدو لديها حسب هذه الأطراف أية إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، فانتقلت الحركة الأمازيغية من نقد الحكومة إلى اتهام النظام السياسي بالانقلاب على الدستور، وعبرت الحركة النسائية عن إحباطها بسبب الإخلال بالتوازنات التي كانت تضمن المضي في طريق إرساء المساواة ورفع الميز والعنف عن النساء، ووراء هذا المشهد كله ومن حوله تبرز الطامة العظمى المتمثلة في بقاء 70 في المائة من المغاربة خارج اللعبة السياسية التي اعتبروها مسرحية سمجة لا تثير اهتمامهم، حيث سحبوا الثقة من المؤسسات وعبروا عن سخط مكتوم لا يبشر بخير.

ما الذي يفسر هذا المشهد الكئيب الذي يدلّ على مقدار بؤس السياسة وبؤس أهلها ؟ في الواقع لا غرابة فيما يجري على الإطلاق، طالما علمنا أنّ الثقة التي تقوم عليها كل حياة سياسية طبيعية إنما تتأسس على الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي في الاختيارات والمرتكزات والمنطلقات والمبادئ، التي بناء عليها يتمّ تدبير الشأن العام، هذا الحسم المطلوب لم يحصل للأسف سنة 2011 بقدر ما تمّ الالتفاف عليه ومراوغته بأنواع التأويل وأشكال الهرطقة السياسية التي أفضت إلى ترسيخ قناعة واحدة وهي استحالة تفعيل الدستور بسبب تناقضاته الفاضحة، التي عكست التمزق الإيديولوجي السائد في المجتمع دون أن تقوم بإنهائه لصالح مشروع وطني متماسك وواضح، ما أعطانا دستورا لا يقول شيئا محدّدا بقدر ما يورد نصوصا ينسف بعضها بعضا، وهو ما كان له أفدح الأثر على القوانين التي صيغت في الولاية الحكومية الأخيرة، والتي تعدّ نكوصا حقيقيا عن مكتسبات سابقة. في غياب الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي ستظل الأطراف تشك في بعضها البعض، وهو أمر طبيعي مبعثه شعور الجميع بعدم الأمان، بسبب انعدام الضمانات التي تحمي بعضنا من بعض، الأمر الذي يجعل من نظرية المؤامرة سيدة الموقف، والمرجع في تفسير كل شيء.