عندما يَطلب رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، الذي جاء إلى منصبه بفضل وعوده بمحاربة الفساد والاستبداد، من زعيم حزب "البام" الياس العماري، أن يوضح الإتهامات الخطيرة التي صدرت ضده على لسان الأمين العام لحزب "الاستقلال" حميد شباط أو أن يعتذر الأخير إذا كان يكذب عليه، لا يبقى لنا إلا أن نسأل: أين الملك؟

يقول شباط بـ"العلالي" وعلى رؤوس الأشهاد، بأن مواطنا، لا صفة رسمية له يدعى الياس العماري، كان يعطي التعليمات لـ"لفرقة الوطنية للشرطة القضائية"، بجلال قدرها،  من أجل الانتقال إلى بيوت بعض المواطنين للضغط عليهم من أجل الالتحاق بحزب "البام"، ويتهم شباط بالواضح المفضوح والي جهة الحسيمة، المعين من طرف الملك، "ياحسرة"، بتزوير "الانتخابات" لفائدة حزب "التراكتور" ويقول أيضا بأن قياديين من "البام" اغتنوا عن طريق "المخدرات" بعد أن هددوا أشخاصا في مصالحهم وضغطوا عليهم باسم ملفات فبركوها ليلا للالتحاق بهم، مُؤكدا  (شباط) على أن هذه القيادات جنت الملايير، بعد أن أخذت من البعض مليار ومن البعض الآخر 500 مليون بل ومليارين أخذوا من أشخاص آخرين ، ثم يقول شباط إن هذه القيادات هي من تُعين رؤساء المؤسسات العمومية، وبعد كل هذا يأتي رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، يوم السبت الماضي، ليطلب من المُبلغ أو الواشي (شباط) الاعتذار أو على المتهم التوضيح، فهل هناك عبث أكبر من هذا العبث في العالم؟

نحن إذن أمام استهداف فظيع وخطير وغير مسبوق لمؤسسات الدولة المغربية، خاصة وأن الامر يتعلق بما يصفونها بـأم الوزارات "الداخلية"، فكيف تسكت الجهات المعنية عن هذا الكلام الخطير، الذي قيل قبل سنوات دون أن يتحرك لا وزير عدل ولا وكيل ملك لحد الساعة، في حين نجد هذه الجهات تسارع إلى إدانة الحقوقية وفاء شرف والناشط من حركة 20 فبراير أسامة حسني بخمس سنوات تقريبا ، بعد مؤاخذتهما بتهمة "الوشاية الكاذبة والتبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها" ! كما تسارع إلى إدانة مواطن بسبب"جوان" بشهرين أو يزيد، باسم الملك والقانون، وإلى الحكم على محتجين في الخميسات، رفعوا شعار "يا ملك الفقراء آجي تشوف الشفارة" بثمانية أشهر، وإلى إدانة صحفي بالحبس والغرامة والتعويض فقط لنقله خبرا عن الوكيل العام وجمعية تتمتع بصفة المنفعة العمومية، بعد اتهامه بـ"إهانة هيئة منظمة والوشاية الكاذبة والتبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها" !

بالعودة إلى مقتضيات القانون الجنائي المغربي يمكن تأطير تصريح شباط بفصلين جنائيين الأول هو الفصل 264 الذي يعتبر إهانة، ويعاقب بهذه الصفة، قيام أحد الأشخاص بتبليغ السلطات العامة عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها أو بتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية أو بالتصريح لدى السلطة القضائية بارتكابه جريمة لم يرتكبها ولم يساهم في ارتكابها.

أما الفصل الثاني فهو المادة 445 التي تفيد مقتضياتها "من أبلغ بأية وسيلة آكانت، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر إلى الضباط القضائيين أو إلى ضابط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيئات مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم، ويجوز للمحكمة أن تأمر علاوة على ذلك، بنشر حكمها كله أو بعضه في صحيفة أو أكثر، على نفقة المحكوم عليه. وإذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب زجرا جزائيا أو إداريا، فإن المتابعة عن الوشاية الكاذبة، تطبيقا لهذا النص، يمكن الشروع فيها، إما عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ ضده أو إعفائه أو عقب صدور أمر أو قرار بعدم متابعته أو عقب حفظ الشكاية بأمر من أحد رجال القضاء أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية".

ماقاله شباط في حق بعض المؤسسات الدستورية كلام خطير للغاية، لم يسبق أن قال به أي شخص أو زعيم سياسي قبله، وهو كلام لا يمكن وضعه في إطار "المزايدات السياسية"؛ لأن شباط يؤكد على أن الوقائع، التي ذكرها ضد المؤسسات الدستورية المعنية بكلامه، هي وقائع حقيقية، كما أن هذا الكلام لا يمكن محوه بـ"المفاهمات" و"الصفقات في الكواليس"، وسياسة "عفى الله عما سلف" بل يقتضي الأمر تدخلا شخصيا من الملك؛ مادام بنكيران اعترف بعجزه الحكومي وقالها صراحة: "الملك هو من يحكم في المغرب" وقال أيضا "جئت لأساعد الملك"، دون أن يصدر عن الديوان الملكي لحد الساعة أي بيان حقيقة ينفي الحكم المطلق للملك، و مادام  الأخير قد قال للرميد، حين التمس منه  العفو عن الصحفي رشيد نيني: " لو أساء الي لعفوت عنه ولكنه أساء لمؤسسات الدولة"، فلماذا يتسامح الملك مع شباط أو الياس ولم يتسامح مع الصحفي رشيد نيني، خاصة أن ماقاله شباط أخطر بمليار مرة مما قاله نيني، اللهم إلا إذا كان هناك تفاضل بين المؤسسات فتلك قصة أخرى لا علم لنا بها؟