في هذا المقال، ينتقد صاحبه اسماعيل العلوي، تخلي رئيس الحكومة عن الوزيرين الحبيب الشوباني وسمية بنلخدون، مهاجما بشدة الانتقادات التي وجهت لهما قبل وبعد الإقالة من منصبيهما.

وهذا نص المقال كاملا:

الحب عاطفة نبيلة تهذب النفوس وترقى بالأحاسيس والمشاعر، وتخرج بالأنفس من غلظتها وجلفها لتصير شفافة مرهفة مطهرة من الشوائب، فهو ثمرة انصهار النفس بشواظ روحاني علوي لا قبل للمحب به، هذا الحب البشري الفاني أحد معانيه وتجلياته، وللحب سلطان على القلوب لا يعرفه إلا من ابتلاه الله به فأضناه وأشقاه، وسلطان الهوى فوق كل سلطان ولذاته فوق كل اللذات، حتى قال صاحب طوق الحمامة الأديب الفقيه الإمام ابن حزم صاحب المذهب:" ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروح على المال، من الموقع في النفس ما للوصل".

مناسبة هذا الحديث كما هو ظاهر من السياق ومن هذه الضجة المفتعلة هو نية زواج الوزيرين، الإنسانين، المواطنيين، ذ الشوباني وذة ابن خلدون، التي تفنن بعض الظرفاء والسفهاء والبلهاء، بوصفها بشتى الأوصاف القادحة كالفضيحة والشوهة وغيرها من نعوت الغمز والهمز واللمز.

وقبل الخوض في الموضوع تحليلا وتعليلا، أحب أن أعبر عن تضامني غير المشروط معك أستاذتي الفاضلة في محنتك، لأن سهام الظلم والنقد تتوجه إلى المرأة بشكل أكبر في هذه المجتمعات الذكورية المسماة شرقا، فالحب ليس عيبا وليس حراما ولا جريمة ولا فضيحة، ولكنك جئت في الزمن الغلط في زمن الكوليرا، كوليرا الفساد والإسفاف و"التبرهيش"، "والتبرهيش" في عرف المغاربة قلة رجولة وقلة حياء، في زمن تعيب الفضيلة الرذيلة، وتذم الخيانة الأمانة، ويهجو العهر العفة، زمن الشيزوفرينيا الجماعية.
بالطبع تعددت المواقف وتعدد "المتموقفون"، واشحذ مديتك فقد سقطت البدنة :

1- فمن الناس من استغل الفرصة ونصب نفسه حاميا للفضيلة ووصيا على الأخلاق، حتى من بين الذين لا يخجلون من الدفاع عن الشذوذ والمثلية والتفسخ والانحلال وفوضى الجنس واللذة والمتعة.

2- ومنهم من ركب الحدث للمزايدة السياسية فخلط الحابل بالنابل، وخاض في أعراض الناس بلا حياء من الله ولا من الخلق، فلم يراعي حرمة لأحد. وللأسف هذا لو كان القضاء بخير لحركت النيابة في وجه مثل هذا المتابعة لاعتدائه على أعراض الناس وعلى قيم المجتمع. وتواطأ معه التقدميون والحداثيون والنسائيات بصمتهم فلم نسمع شعارات الحرية الشخصية والحياة الخاصة وغيرها من شعارات وبهارات. وقد كفانا الرد عن هؤلاء الزميل المتألق عبد الله الدامون في مقال رائع.بعنوان "الأشياء الخفية في حكاية الحبيب وسميةّ"

3- فريق ثالث من العوام وهوام العوام وحوام العوام، من يجرفهم التيار بلا علم ولا فهم، فهم يخوضون في كل حديث، ويغشون كل مجلس، وينفقون بضاعة كل سوق.

4- وفريق رابع اللوم عليه أشد وهم إسلاميو هذا البلد، خاصة حزب الوزيرة وحاضنتها الاجتماعية حركة التوحيد والإصلاح، الذين لم نحس منهم من أحد ولم نسمع لهم ركزا، نحاول أن نتفهم الحرج الشديد لبعضهم، وهو حرج مصطنع نابع من قراءة محافظة تقليدية وطوباوية للإسلام، لهذا ففي خضم هذه المخاضة لم نسمع السي ابن كيران، اللهم تلميحا أو تلميحين هنا أو هناك، كأن القطة قضمت لسانه، وهو المعروف بطلاقة وسلاطة اللسان في كل زمان ومكان.

وحتى لا نضيع البوصلة ككثيرين، نعيد تركيب الحكاية لنفهم ونتفاهم، وسأتبنى رواية صاحبة الشأن في حوار مع مجلة سيدتي، فهي الرواية الأصح والأصلح عندي وما عداها إشاعات، المرأة وصلت في علاقتها بأب أولادها وزوجها للباب المسدود، فاختارت معه اتفاقا التسريح بإحسان- وكل هذا قبل الاستوزار- وهذه حضارية يحسدان عليها، فالزواج ليس حكما نهائيا بالمؤبد ولا رباطا كاثوليكيا لا يحل إلا بالموت، ففي الإسلام للزوجين أن يختارا الطلاق إن صارت حياتهما نكد وكراهية وصراع، أو حتى عدم ارتياح بكل بساطة، وانظر للمرأة الصحابية التي طلبت الخلع لأنها لم ترتح لزوجها، ما سألها نبي الرحمة والمحبة ولا روادها عن الأسباب، بل بمنتهى الواقعية عالج الموقف:"ردي عليه حائطه".*

كم نحتاج إلى حلول واقعية لمشاكلنا الاجتماعية؟ فكم من امرأة ورجل يطيلان عمر الأزمات والمشاكل بينهما بدعوى الحفاظ على الأولاد والبيت وسمعة العائلة، فيعيشان في ضنك ينتهي بجرائم أو انتحار أو تدمير لنفسيات الأبناء أو فصال في الآخر بعد خراب مالطا، وكم من المآسي يتسبب فيها إرغام الزوجات على الاستمرار في علاقات فاشلة؟

للأسف نتقن جميعا خداع أنفسنا، نخادع في مشاعرنا ومواقفنا واختياراتنا، فكم من النساء تعلم وتستسيغ، وقد تقبل أن يكون لزوجها خليلات، ولكنها لا تقبل أن تكون له زوجة ثانية بالحلال وتحت الشمس. وكم زوجة تكره زوجها وتصر على البقاء معه، وكم من أسرة ترغم أبناءها على زواج من يكرهون أو من لا يحبون، هذا الفصام في الشخصية أحد مصائبنا الكبرى، فنحن نزرع الكراهية والإكراه، نزرع بذور النفاق الاجتماعي ونلبس الأقنعة، مرضى نفسانيون ينبغي أن نتصالح مع ذواتنا.

حتما في ظل هذا الواقع يعاني كثيرا من اختار الوضوح والصراحة، ومنهم الأستاذان الشوباني وابن خلدون اللذان اختارا لعلاقتهما الشمس بدل الظلام والوضوح عوض الغموض، فما الخطأ الذي ارتكباه، هل خالفا شرعا أم داسا عرفا أم خرقا قانونا؟

نتعلم من آيات التبني أن نبي الله عليه الصلاة وسلم تحرج من زواجه بامرأة ابنه بالتبني زيد بن حارثة، "فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا"، فأنزل الله قرآنا من سبع سماوات يشهد أن الأعراف وأقاويل الناس وعاداتهم وتقاليدهم ليست شيئا إن خالفت الشرع. يفسر ابن عاشور رحمه الله "وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه"، وضرب الله المثل بنبيه ليكون التشريع قدوة وقطيعة نهائية مع عادات الجاهلية، إذ لو نزلت هذه الآيات في سياق آخر لبقي في الأنفس شيء من حتى.
كنا نتمنى أن يدافع ابن كيران القضية من هذا الجانب، فهو لا يدافع عن وزيريه، بل يدافع عن قيمة أخلاقية، هي الحرية الشخصية، هي الانتصار للقيم الأصيلة النبيلة أمام الشعبوية، هي الدفاع عن وضعية المرأة المتدنية في المجتمع، الموصومة تصرفاتها بالعار أصلا، فهي لا تفصح عن مشاعرها ولا عن رغباتها أو حقوقها تعيش كادحة وتموت مظلومة. لكن للأسف يحتج البعض باعتبار الوزيرين شخصية عامة، وهذا خلط فظيع -ومتى كانت تحاسب الشخصيات العامة في بلداننا - فكون الإنسان شخصية عامة، لا يبيح للآخرين الدخول في حياتها والتفتيش في ملابسها ودخول غرفة نومها، ولكنها رقة دين وقلة حياء وغياب ضمير، وترد في الآدمية وإسفاف ما بعده إسفاف، عبر عنه الكثير من السياسيين والإعلاميين لكن كما قال أبو الطيب:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص.........فهي الشهادة لي بأني كامل.
------------------------------------------------------------------------------------------------
* كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس، وكان رجلا دميما، فقالت: يا رسول الله والله لولا مخافة الله لبصقت في وجهه إذا دخل علي، فقال عليه السلام : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم، فردتها عليه، وفرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

----------------------------------------------------------------------------------------------

ذ إسماعيل العلوي
[email protected]